اخر الاخبار

تحتل الصناعة في أي بلد أهمية كبيرة في زيادة الإنتاج المحلي الإجمالي من خلال إمداد كافة قطاعات الاقتصاد الأخرى بما تحتاجه من مواد أولية وتشكل محورها الأرأس وانعكاس هذه الروابط في عملية التنمية المستدامة بما فيها الصناعات الثانوية المدرة للدخل  وانعكاس ثمار هذه العملية المترابطة في أهدافها في تنويع مصادر التمويل ومعالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد وتصحيح الانحرافات الهيكلية  وتنشيط الموارد الطبيعية تحت الأرض وفوقها سواء بسواء وتدارك الازمات التي  تتسببها الريوع النفطية  فضلا عن اكساب الاقتصاد المرونة في التخفيف من معدلات البطالة وتوفير العيش اللائق للمواطنين والحد من التطرف في فوضوية الاستيرادات.

ومن المعروف ان القطاع الصناعي بوجه عام يتكون من صناعات متعددة يتمحور دورها في صناعة السلع الاستهلاكية  والسلع الإنتاجية (الاستثمارية) وصناعات ثالثة كثيفة،  وبمعنى ثان تصنف على أساس صناعة استخراجية وصناعات تحويلية، وفي العراق يتوزعان على قطاعي الدولة والقطاع الخاص بالإضافة إلى القطاع المختلط،  لكن الواقع يشير إلى التركيز على الصناعات الاستخراجية وتحديدا البترول ومنتجاته وإلى حد ما انتاج الغاز في طور التكامل الكمي، اما الصناعات الأخرى كالكبريت والفوسفات  والمعادن الأخرى لم تكن في وارد استراتيجيات الحكومة  فان تقارير البرلمان العراقي على قلتها  في مجال الإصلاح الاقتصادي،  تشير إلى أن وزارة الصناعة  لم تكتف بطرح المصانع فوق الأرض إلى الاستثمار بل توجهت إلى باطن الأرض وفق قرارات، واجهت معارضة شديدة برلمانية وخارج البرلمان من المهتمين بالشأن الاقتصادي والصناعي، في  السنوات السابقة، عبر التوجه لمنح الثروة المعدنية تحت الأرض إلى شركات أردنية وأمريكية بأرخص الاثمان  حيث يتم بيع الطن الواحد من الكبريت بخمسة دولارات  مع ان سعرها في السوق العالمية 400 دولار للطن الواحد بالرغم من التقديرات  المؤكدة  ان حجم الكبريت في العراق يناهز ال500 مليون طن من خزين مكتشف  يشكل 16 في المائة من الأراضي العراقية، الا يدل ذلك على فشل في السياسة والتخطيط وبالتالي غياب الاستراتيجية الواضحة  في هذا القطاع المهم؟

إن تحديات الصناعة قد بانت بأوضح صورها بعد عام 2003 حيث دخلت سياسة اقتصاد السوق المنفتح على أوسع أبوابها وكأنها قدر مطلق يصح تطبيقها واستنساخها في أي زمان ومكان بدون دراسة معمقة لواقع الاقتصاد العراقي في عملية مغادرة ما حصل قبل هذا التاريخ من تنوع في المشاريع الصناعية. فالصناعات التحويلية مثل النسيج والصناعات الغذائية  والميكانيكية  شهدت تراجعا كبيرا بسبب المنافسة القوية من المنتجات المستوردة، ما تسمى بسياسة قطع العنق، ما فاقمت من الأزمة الصناعية فضلا عن ذلك فان معظم المصانع والمؤسسات الصناعية تعاني من بنية تحتية متدهورة نتيجة الأضرار التي لحقت بها من سرقة  وتهريب وتفكيك معداتها، ومما يعمق من أزمتها قرارات تحويل المصانع القائمة إلى الاستثمار وفق مفهوم غامض لم يتسبب في تخلف العملية التصنيعية فقط وإنما تسريح القوة العاملة رغم تراكم خبراتها على امتداد سنوات، ما يمثل دق المسمار الأخير في نعش الصناعة الوطنية.

وانطلاقا من هذا المفهوم فإن وزارة الصناعة حولت الشركات الصناعية إلى شركات خاصة بسبب المقاييس التي تبنتها الحكومات المتعاقبة بتحويل إدارات هذه المشاريع إلى اشخاص يمثلون الأحزاب الحاكمة يفتقرون إلى الكفاءة والخبرة ويتولون إبرام عقود تشغيل مشتركة بيعت وفقها الكثير من خطوط الإنتاج الصناعية كأكوام من الخردة.

إن معالجة الأخطاء الفادحة في السياسات الصناعية يتطلب من بين مستلزمات عديدة ما يلي :

1. الاتجاه نحو تطوير الصناعة التحويلية والتخطيط لاستيراد أفضل أنواع التكنولوجيا المتاحة وفي ذات الوقت تضمين عقود الشراء التدريب الكامل للكادر الوطني على هذا النوع من التكنولوجيا القادر على التشغيل والصيانة والمشاركة الفعلية في نصب المعدات.

2. وضع الخطط ذات البعد الاستراتيجي بإحياء الصناعة البتروكيمياوية وصناعة الحديد والصلب والفوسفات والكبريت التي تشكل عصب الصناعة التحويلية وإحياء الصناعات التي برع القطاع الخاص بإنتاجها وتشجيع الاستثمار المحلي والاجنبي في هذه القطاعات.