اخر الاخبار

 بحثا عن النجاة بعيدا عن أنياب وحوش السلطة الغاشمة، وفي ريف قرية العمادية بناحية (قضاء) القاسم – محافظة بابل، أقاموا لأنفسهم سجنا اختياريا في حفرة بباطن الأرض، احتضنتهم كأم رؤوم..

إنهم ولدا سعود أل مشهد الجبوري، اليساري الذي تعرض للاعتقال حتى بعد 14ثورة تموز بتهمة الشيوعية، والمناضل الذي وفر ملاذا للشيوعيين ولأصدقائهم في بيته في أقسى ظروف القمع الدكتاتوري الشنيع. إذ اختفى الولدان أنور وكامل مدة ثماني سنوات، مسطرين حكايات بطولية مذهلة. فبعد مطاردات شرسة من جانب قوات السلطة، وفروا مكانا آمنا للاختباء في حديقة بيتهم تحت الأرض.

حيث أفرغوا جزءا من غرفة في بيتهم الطيني في البستان، وشيّدوا جدارا عازلا فيها، ثم حفروا نفقا بباطن الأرض يؤدي إلى الخارج. وتعاونت العائلة لحمايتهم ورعايتهم، وكانت أختهم ماجدة توصل لهم وجبة طعام واحدة أثناء النهار، بواسطة قفص تدفع به عبر النفق لتوصله اليهم. أما وجبة العشاء فكانوا يستمتعون بها بعد الخروج عبر النفق ليلاً إلى الحديقة، ثم ليعودوا ومعهم فطور اليوم التالي.

امتد زمن الاختفاء في تلك الحفرة سنوات طويلة لم يروا النور خلالها، فيما بقيت العائلة تحت المراقبة الشديدة من قبل عيون السلطة ومداهماتهم المستمرة. وفي إحدى المرات داهمتهم قوة أمنية كبيرة من حوالي خمسمائة عنصر، نبشت البستان ولحسن الحظ لم تعثر عليهم. فاضطروا لترك مخبأهم والبحث عن مكان آكثر أمانا. لكن المطاردات استمرت حتى اعتُقل كامل وأودع في أقبية الأمن العامة ببغداد، حيث واجه تعذيبا وحشيا بإشراف علي حسن المجيد (علي كيماوي)، حتى فقد صوته. واستمر التعذيب بمختلف الوسائل، لكن كامل فاجأهم بصموده وعدم تفوهه بكلمة، فحكموا عليه بالإعدام.

وتشاء الصدف أن يبقى في غرفة الإعدام أشهرا طويلة حتى صدور عفو عام، فخُفّض حكمه إلى المؤبد. وفي عام 1991 خرج من السجن بعفو عام آخر، لكنه كان فاقد البصر جراء التعذيب، وهو ما زال يعاني عواقب العتمة القاسية حتى اليوم.

لقد تواصل نضال هذه العائلة الباسلة في الثمانينات والتسعينات، وشارك ابناؤها بانتفاضة آذار ١٩٩٠ ، فاعتقل ابناها أنور وأركان ودُفنا أحياء لاحقا في المقابر الجماعية ببابل. كما أعدم زوج شقيقتهم مع أربعة من أشقائه بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي، تاركين وراءهم أطفالا يتامى وامهات أرامل، تكفل برعايتهم الوالد سعود الجبوري لسنوات، حتى وفاته في العام 2017.

أما ابنتهم المناضلة ماجدة، فلها حكاية مدهشة أخرى سنتناولها في العدد المقبل.