كنت أرغب في ذكرى استشهاده الثالثة والستين أن أكتب عنه مرة أخرى كقصة عشق صوفية، لكن صحبي، الذين لم يعودوا يرون في الرومانسية الثورية قدرات تعبِّوية في زمن الرقمنة الأغبر، حشروني في لجة كلمات عملية، رأيتها جافة للوهلة الأولى. غير أن قراءةً في سيرة سلام عادل سرعان ما منحتها مذاق الوطن وشميم ترابه الزكي، ونورًا يبدد عتمة ليالي القنوط الموحشة، وطاقة تنقل المرء من ضيق الجسد إلى سعة المجد، ليحلق في فضاء المعنى، ويعكس إيثارًا ساطعًا وأمانة قوية كالصدق، وواضحة كالحقيقة، وسفرًا يعج بالحِكم والدروس.
في ذلك السفر المتفرد، نجد الكثير مما يُغني مداركنا ونحن نواجه صعاب ومهام النضال اليوم. بمحطاته نتعلم كيف تُحدد الحلقة المركزية للنضال وطبيعة الصراع الطبقي ومتغيراته، وكيف نعتني بالتركيبة الطبقية للحزب، ونغتسل من انعزالية تسببها طفولة "يسارية" ومن تفريط ترتكبه كهولة "يمينية"، وكيف نتأسى بسلام عادل حين نتبنى من الشعارات والمهام ما يساعد الحزب على تبوء مكانه الطليعي في الحركة الوطنية، التي تقع علينا مهمة توحيدها وتفعيل دورها في الكفاح لتحقيق التغيير الشامل.
من سيرة سلام عادل نتعلم كيف يُبنى الحزب موحد الإرادة والعمل في إطار من التنوع الغني والاختلاف البناء، ذا قاعدة صلبة وجريئة، حريصة على مستقبل مشرق لقضية أدركتها بحسها الطبقي وتبنَّتها بوعي وقناعة، وكيف يُربى كادر كفوء وفاعل كنسغ جميل، وصبايا وفتية متواضعين في تعاملهم مع الشعب، وشامخين في العطاء بلا حدود. كيف يتعمد الشيوعيون عمادًا ثوريًا، تتعزز به قيم الوفاء والتضامن، والقدرة على التطهر من سخام الطبقية، ونزعات التملك والغرور، وأي غشاوة قد تحجب عن وعيهم وجه الرأسمالية المتوحشة، تلك التي ولدت وما زالت تقطر دمًا وقذارة وتنهب قوت الجياع.
في ذلك السفر المتفرد، بات فن الإصغاء للمختلف واجبًا نضاليًا، والتواضع شرطًا للنجاح في تأهيل الأجيال الشابة ونقل الخبرة إليها، وممارسة النقد والنقد الذاتي ضرورة لصقل الأخلاق الشيوعية، التي تجد في ادعاء العصمة خواء، والتي تُلزم المناضل بتدقيق ذاته ليحصن روحه من تسرب اية خطايا اليها، كالمحاباة والمنافسة غير الرفاقية، وحب الظهور، والجمود العقائدي، والأنانية، والتعصب القومي والديني والطائفي والمناطقي، والنظرة الرجعية للمرأة التي تنكر حقها بالمساواة التامة مع الرجل.
من سيرة سلام عادل تعلمنا كيف نفهم العلاقة الجدلية بين الانتماءات الوطنية والقومية والأممية، ونرفع عالياً راية الهوية الوطنية الجامعة التي تضمن لجميع العراقيين مساواة تامة في المظهر والجوهر. وكيف يمكننا الجمع بين أساليب نضالية متعددة، والنجاح في الانتقال من أحدها إلى الآخر وفق قراءة صحيحة لمتغيرات الواقع. كيف نتعرف على هموم الشغيلة والفلاحين وباقي الكادحين، وننشط في نقاباتهم ومنظماتهم المهنية، وعبر التواجد الفاعل بين الناس، ورسم برامج للتعامل مع مشاكلهم بشكل مقنع وملموس، يتضمن إشراكًا مباشرًا لهم في الكفاح لتطبيقها. كيف نجسّر العلاقة بين حزبنا والمثقفين، الذين يؤسسون لقيم الديمقراطية وحقوق وكرامة الإنسان، ويأصلون فكرة الحوار واحترام التعددية والعقلانية، وقبل كل شيء الحرية، ونفعّل علاقتهم الوثيقة بمشروع الحزب النهضوي التنويري والديمقراطي.
في ذكرى السابع من آذار، ذكرى استشهادك، تأتي لنا، أيها المشرق أبداً، أيها الربيع الذي لن يمسه الذبول، يا مَعلم ومُعّلم هذا الوطن العذب، لترانا فخورين بانتمائنا، موقنين بغد زاهر نصنعه للعراق الذي وهبت حياتك له، حتى أصبحت دماؤك شاهد عشق وصدق لا ينضبان، ولترى حزبك شامخًا رغم الطغاة، محميًا بقلوب الناس، وساكنًا حدقات العيون.
مجداً أيها القائد الباسل والفتى النبيل.