اخر الاخبار

اصبح امتلاك ناصية القرار الوطني العراقي الموحد مسالة وجودية، ذات صلة بمصير الدولة ذاتها. ففي اللحظة التاريخية الراهنة، التي تتقاطع فيها الازمات الإقليمية مع الهشاشة الداخلية، يغدو امتلاك القرار الوطني حجر الزاوية في حماية سيادة البلاد وصون مصالح الشعب، وصياغة موقف موحد من التطورات الجارية، شرطا أساسيا لتجنب الانزلاق في مسارات لا تخدم المصلحة الوطنية العليا. وهو أيضا يعني قدرة الدولة على التعبير عن إرادة شعبها، وصياغة سياساتها وفق أولوياتها الوطنية، بعيدا عن التدخلات والاملاءات والتجاذبات الخارجية.

ان جوهر القرار الوطني المطلوب لا يكمن فقط في اعلان السيادة، والحديث عنها، بل وفي القدرة الفعلية على ممارستها عبر مؤسسات دستورية، تحتكر العنف المشروع، وتحدد خيارات وتوجهات البلاد الكبرى، وفي مقدمتها اليوم قضية الحرب والسلم.

ان واقع العراق الراهن الهش والمتشظي، ليس وليد تدخلات خارجية وحسب، بل هو في الجوهر وثيق الصلة بماهية البنية الحالية للمنظومة الحاكمة، وحالها المفتوح للاختراقات  والتدخلات، وسعي البعض للتماهي معها واستخدامها أداةً من أدوات الضغط في موازين القوى الداخلية. فحين يتشظى مركز القرار وتتعدد الجهات التي تتعامل مع قضية الحرب والسلم، ويعلن بعض مراكز القرار بصراحة موقفا مغايرا لمواقف السلطة، يصبح القرار الوطني مجزءا، فاقدا لوحدته وفاعليته.

وهنا تاتي أهمية الحديث عن ان يكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية حصرا، كفعل سيادي قانوني يعيد للدولة هيبتها ودورها المفترض. وترتبط بذلك مسالة احتكار الدولة للعنف، كقضية سياسية وسيادية بامتياز. فبدون ذلك تنتج مراكز قوى موازية، تقوض فكرة الدولة وتتجاوزها. وينتج عن ذلك خطرعدم إمكان اتخاذ موقف وطني موحد، خصوصا في القضايا الكبرى، في الحرب والسلم، كما في البناء والاعمار والسياسات الاقتصادية – الاجتماعية .

وفي اللحظة الراهنة يكتسب هذا أهميته وتتضاعف خطورته، مع احتدام الصراعات ومجريات الحرب العدوانية المدانة، الامريكية – الصهيونية ضد ايران، وتوسعها وامتدادها لتشمل عموم المنطقة. والعراق بحكم موقعه الجيو – سياسي والعديد من العوامل المتشابكة الأخرى، ليس  بعيدا عن تداعياتها، ان لم يكن ينزلق اليها تدريجيا،  او يدفع اليها دفعا، رغم الإعلانات الرسمية التي تقول بغير ذلك  .

ان منع تحول العراق الى ساحة لتصفية الحسابات، لا يتحقق بالإعلان المتكرر عن ذلك، بل بامتلاك أدوات فرض هيبة الدولة عبر القرار المركزي الموحد، والسلاح المنضبط  بيد المؤسسات المخولة دستوريا، وتحقيق إمكانية انفاذ القانون على الجميع. وهذا بدوره يتطلب تبني مشروع وطني متكامل، يطلق تغييرات عميقة وجذرية في بنية الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس المهنية والكفاءة والمواطنة بعيدا عن المحاصصة، والسير على طريق بناء اقتصاد قوى متعدد ومتنوع، والتصدي الحازم للفساد، ولعوامل الفرقة والتشظي وكل ما يهدد الوحدة الوطنية، واعتماد الشفافية.  فتحقيق الاستقرار السياسي الداخلي المتماسك، وردم فجوة عدم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، هو واحد من المداخل الأساسية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.