اعتمادًا على ما يُسمّونه "نجاحات" ترامب في فنزويلا وغزة وإيران، عادت للظهور مجددًا هذه الأيام مقولة خائبة أطلقها فوكوياما، وسعى من خلالها لفرض القناعة بالانتصار النهائي للرأسمالية. فهل باتت مقولة هذا البوق صحيحة الآن، بعد أن فضحت أحداث العقود الماضية زيفها؟!
في التسعينيات، وفي أجواء انتصار الإمبريالية بالحرب الباردة، بدت فكرة "نهاية التاريخ" أقرب للتصديق، واكتسبت قوة ريح سامة، جرفت عدداً من المناضلين وبعض قوى اليسار، لضفة أدسم طعامًا وأوفر ظلًا، وبات تحصين الوعي من مثلبة القنوط أمرًا مُجهدًا. غير أن البشرية لم تحتج وقتًا طويلًا لكشف هذه الكذبة، إذ فتحت حركة “فلاحون بلا أرض” البرازيلية، والثورة البوليفارية، الأبواب أمام انتصارات انتخابية مهمة لليسار في أمريكا اللاتينية. وفي أفريقيا صمدت حكومات يسارية، ونجحت حركات شعبية واسعة بطرد المستعمرين الجدد، فيما احتفل ملايين النيباليين والسريلانكيين بانتخاب حكومات يسارية، وأكدت مدن هندية ويابانية وكورية تمسكها بحكامها التقدميين. ورغم ما حققه اليمين الرجعي الاستبدادي من نجاحات في أوروبا، فإن قوى اليسار هناك ما زالت تحقق انتصارات مُنعشة للآمال، خاصة في سياسات العدالة الاجتماعية وحماية المناخ.
قد تكون بعض هذه المتغيرات صغيرة وغير محسوسة، قياسًا بحجم التضحيات، لكن تواصلها وتجذرها وتفردها يضفي عليها أهمية استثنائية. ألم تخسر واشنطن تفوقها الصناعي مقابل توطد مكانة الصين كمنافس استراتيجي، وظهور بوادر عالم متعدد الأقطاب؟ ألم تُضعف التصدعات حلف الناتو أكثر مما كان عليه أيام الحرب الباردة، وجعلته أقرب إلى شقيّ مفلس لم يبقَ له سوى استعراض عضلاته لإخافة الأتباع؟ ألم تفشل العولمة المتوحشة في إدماج الدول الوطنية ضمن مصالح شركاتها الاحتكارية، رغم تحطيمها وتفتيت تشكيلاتها الاجتماعية؟ هل ما زال هناك من تنطلي عليه تبريرات الدول الإمبريالية لفرض عقوبات غير شرعية، ونهب الاحتياطيات والأصول الوطنية، وتدجين الناس بأدوات الثورة الرقمية، وتصعيد سباق التسلح، وشن حروب عدوانية وحشية؟ وهل ما زال هناك من لا يهزأ من شعاراتهم عن الحريات وحقوق الإنسان؟ ألا تتلظى مشاريعهم "الديمقراطية" في جحيم أزمات بنيوية، فيما يوشك أن يشرق من جديد فجر الشعوب الرافضة لسياسات التبعية والتهميش؟!
في مثل هذه الأيام، وقبل 23 عامًا، عشنا نحن العراقيين تجربة "النعيم" الأمريكي هذا، حين جاء الغزاة وانتهكوا كرامتنا الوطنية، وفككوا الدولة، وقضوا على مؤسساتها، وهيمنت شركاتهم على الاقتصاد، وتحكمت في آليات إنتاج الطاقة وتصديرها، وكرّست اقتصادًا ريعيًا تابعًا. وخسرنا، بسبب احتلالهم وما ترتب عليه، حريتنا في بناء علاقاتنا الاقتصادية والسياسية، ومئات الآلاف من الضحايا، وضاعت مليارات الدولارات من ثرواتنا. ثم قسّمونا إلى مكونات، وأججوا بيننا استقطابًا طائفيًا وإثنيًا ممزقًا للهوية الجامعة، ودعموا ولادة منظومة محاصصة تقودها شرائح برجوازية طفيلية وبيروقراطية تابعة، أجهزت على ما تبقى من مؤسسات الدولة، وحمَت الفساد، وكرّست السلاح المنفلت، وشرّعت الأبواب أمام الاستيراد، وأضعفت المنتج الوطني والقطاع الخاص، وفاقمت التفاوتات الاجتماعية.
ورغم كل "مكرمات" المحتلين، المباشرين وغير المباشرين، فقد كنا شهوداً في العراق والمنطقة على فشل مشروعهم الاستراتيجي بإعادة بناء الأمن الإقليمي على قاعدة الحماية العسكرية الأمريكية، وبقيت الأنظمة التي رعوها أسيرة أزمات بنيوية، لا منقذ منها سوى التغيير الشامل. فكيف جرى ذلك؟ هل بسبب أزمة التشكيلة الرأسمالية نفسها، أم بفعل صمود الشعوب المناهضة لمخططاتها؟
في قلب اليسار يسكن دومًا يقين بالظفر، وفي مشاريعه التي تجمع بعزم لا يلين بين الحرية والعدالة، تتسع الرؤية لكل من يسعى حقاً للخلاص من التبعية، وإقامة دولة المواطنة.