" لا يُولد الإنسان حرا بل يُولد ليتحرر" بحسب الفيلسوف جان جاك روسو. وهذا هو ديدن الحزب الشيوعي المناضل، الساعي لتحرير الإنسان من العبودية، ومن كل تبعيات الظلم والقهر والاستبداد، عبر تاريخ عريق امتد ويمتد لعقود .. ثمن الحرية لا يعني مجرد الجود بالنفس، بل أيضا ان يكون " العقل المفَّكر والقلب النابض للفن وللعلم والجمال". وبهذا المفهوم يُقدم معرض تشكيلي سنوي في ذكرى ميلاد الحزب الشيوعي، عرضاً لمآثره بسمات جمالية، تنفتح على الحياة بكل أشكالها رغم المصاعب والويلات.
معرض هذا العام الذي أقيم على قاعة كولبنكيان في ساحة الطيران ببغداد، ضمّ نحو 73 عملا فنيا من لوحات رسم ومنحوتات وأعمال خزف، نفذت وفق مختلف المدارس الفنية من الواقعية الى الانطباعية والتجريد وغيرهما، ولفنانين من أجيال مختلفة.
وكان من جواهر المعرض لوحة كبيرة على الكنفاس بقياس200-150 سم للفنان سلام جبار بعنوان " تلولحي" مستوحاة من قصيدة للشاعر عريان السيد خلف، يقول فيها: "اتلولحي بروحي كصيبة تلولحي/ شما يطول الجرح بينا يطيب بس ما ينحمي/ إحنا خلانا وكتنا تراب بحلوك الرحي..". وتجسد اللوحة المعاناة الحقيقية للعراقيين على مدى عقود، بتصوير يتجاوز الوثائقية إلى التعبير الوجداني، الذي يدين النيل من حياة الإنسان بسبب توجهه الفكري.
الفنان سلام جبار نفسه يقول عن عمله هذا انه "يتألف من شخصية مركزية تعلو هرم الإنشاء، تتمثل في جسد الشهيد وهو يتدلى على المشنقة، ليدفع ثمن النضال من أجل الغد الأجمل. جسد الشهيد مسجى من الأعلى إلى ألأسفل، ويتماهى رأسه مع الفضاء المؤلف للوحة، ليشكل هوية لكل المصلوبين من أجل مبادئهم.وأسفل الشهيد تظهر مجموعة الفعاليات التي تبدأ من يمين المشهد بربطه العنق الحمراء التي تمثل المبرز الجرمي، الذي يدل على التوجه الفكري للشهيد، وأسفله الفتاة التي تصب الماء من وعاء بيديها للدلالة على التضحية بالغالي، فيما يظهر الفلاح وبحزامه المنجل جالسا يندب الشهيد. كما تظهر أسفل الشهيد 3 شخصيات مهمة، الأولى امرأة تحاول أن تختار نوع الغطاء الذي سيلف به جثمان الشهيد، والأم الثكلى وقد شبكت أصابعها العشرة على رأسها تحت الشهيد، والى جانبها صور لبعض شهداء الحزب المناضلين. وهناك تفصيلات أخرى مثل رسومات الكتب التي ميزت حياة الضحايا، واتخذ منها الجلاد مبرزات جرمية ..".
عمل الفنان سلام جبار لم ينل إعجاب حضور المعرض حسب، بل امتد الاعجاب إلى خارج العراق، حيث المؤسسات الفنية المرموقة مثل "آرت برايت بوينت لندن" البريطانية، التي ضمت في مصادفة جميلة في يوم افتتاح المعرض هنا نفسه، عمله الملحمي الآخر"قطار الموت" الى أهم مجموعة متحفية بريطانية. إذ عُدَّ هذا العمل بقياس 152-202 سم تحفة فنية، تمثل جانبا مما اقترفه انقلابيو شباط 1963 من جرائم سياسية بشعة.