اخر الاخبار

لا أتذكر من أرشدني لقراءة الأدب الصوفي في مرحلة مبكرة من عمري، لكني أتذكر تمامًا أنني تخليتُ عما انطوى عليه من ماورائيات مذ اهتديتُ للانتماء إلى اتحاد الطلبة، مع بقائي متمسكًا بما فيه من رومانسية ثورية تنعش الروح وتذيبها في نور الفكرة، كما يذوب الليل في فجره، وفق الشيخ ابن عربي.

كانت البداية في 14 نيسان، عيد تأسيس اتحاد الطلبة العام. وكنا عصبةً من فتيةٍ سعت لمعالجة جراحات هزيمة حزيران ببعض القراءات الصوفية. اقترب منا زميلنا أسامة، وأعطى كلًّا منا (جكليتة) غُلِّفت بشعار، اعقبته شعارات صارت بلسمًا لكل تلك الجراحات، وعلّمتنا كيف يمكن للشباب أن يعيدوا ترتيب الحقائق لمواجهة ظلمة الجهل وعبودية التخلف، ولحماية الوطن نورسًا حرًا عصيًا على الحرائق، ولبناء غدٍ عراقيٍّ مضمخٍ بعطر القداح.

وامتدت بنا الأيام مضاءةً بنور الفكرة. بنى خلالها جيلٌ ممن سبقنا من الرفاق علاقاتٍ متجددةً معنا، وعبّأنا حول الحزب، وغذّانا بثقافة حداثوية مشذبة بأصالة عراقية خالصة. جيلٌ لم يتعامل معنا بروح الأستذة والحديث المجرد عن مآثر الماضي، بل اجتهد في تطوير الأشكال التنظيمية السائدة والمتوارثة لتصبح ملائمةً لنا، وأبدى مرونةً في تغيير هذه الأشكال بما يعزز التزامنا ويفعّل دورنا الكفاحي، ويطلق روح مبادراتنا، ويمنح منظماتنا القدرة على زجّنا ليس في تنفيذ السياسات بإبداع فحسب، بل أيضًا في رسمها وتطويرها على أساس قراءة الواقع.

ومضت سنواتٌ عجاف، حُجبت فيها عن ثلثي شعبنا من الشباب، فرصةَ التعرف على برامج اليسار، بسبب مقاصل الاستبداد البعثفاشي والتضليل الأوليغارشي، بزبائنيته السياسية وهيمنة أيديولوجيته الطقوسية المثيرة للخوف والعزلة والاستقطاب. غير أن حاجة اليسار والشباب لبعضهما البعض، كضرورةٌ موضوعية، كانت كافيةً لتجسير العلاقة وإبقاء مداها مشرقًا مهما قست الظروف. ففي الوقت الذي توفر فيه الشبيبة لليسار قوةً حيويةً ذات طاقة على المثابرة، واعتدادًا بالنفس، وجرأةً على نقد الخاطئ السائد، واستعدادًا لتقبل الجديد والتكيّف مع المتغيرات، يمنح اليسار الشباب الفرصة لتحقيق الذات، وتوظيف قدراتهم بأنشطة يحبونها ويبدعون فيها، ويجنبهم أي ملل يعيق بناء شخصيتهم المستقلة.

في 14 نيسان وفي كل آوان، يجدد اليسار، وبشكل خاص حزبنا الشيوعي العراقي، التأكيد على الدور الرئيس للشبيبة في التحديث، كمشروعٍ لا بديل عنه للتقدم الاجتماعي، ويجدد العزم على الكفاح من أجل تحسين المستوى المعيشي لها، بمكافحة البطالة، وتوفير فرص عمل وتأهيل وتدريب، وضمان تعليمها مجانًا، ومكافحة الأمية الأبجدية والثقافية في صفوفها، ويرسم خططًا متكاملة تمكّنها من استثمار أوقات فراغها، وإطلاق مواهبها وإبداعاتها، وتجنيبها الوقوع في براثن العبث والإدمان وتمجيد العنف والتعصب والاستقطابات والانعزالية.

ويُعدّ الحزب القوة الأهم التي تناضل من أجل مشاركة الشباب في الحياة السياسية، ومعالجة السلبية واللامبالاة والشعور بالتهميش في صفوفهم، وتطوير وعيهم بالمسؤولية، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وبمجتمعهم ووطنهم. ويدعو إلى تنظيم صفوفهم في منظمات مهنية، وأن يُفسح لهم المجال لإقامة مجالسهم الفاعلة لا الشكلية، والمنتخبة بحرية تامة في كل مكان، وقنونة دورها كمجالس استشارية لكل المؤسسات الاتحادية والإقليمية والمحلية، في خطوة تنقل القرار من النخبة إلى المجتمع. كما يدعو إلى رصد ميزانية خاصة للنهوض بالحركة الشبابية، وإشراكها في برامج التربية التي تساهم بتعزيز الهوية الوطنية، وفي حماية الحريات وحقوق الإنسان، والتصدي لظواهر التخلف، ومكافحة الفساد، وإشاعة فكرة التضامن والعمل التطوعي والتعاوني والاحتجاج السلمي.

في 14 نيسان، عيد ولادة اتحاد الطلبة العام، كل عام وأنتم بخير، ولتتواصل حواراتنا حول دورٍ أفضل لطلبتنا وشبابنا.