ألقى النداء الوطني العاجل الصادر عن اللجنة المركزي للحزب الشيوعي العراقي ، أضواء على الظروف التي تمر بها بلادنا والمنطقة ، وعلى أسباب وصول الحال في العراق الى ما هي عليه. ولعل في مقدمة تلك الاسباب بلوغ الازمة في البلاد مستويات عالية من الانسداد والاحتقان، وحالة اقرب الى الشلل. لذا يصبح اطلاق مشروع وطني للانقاذ محاولة جادة ومسؤولة، لوقف عملية الانحدار على اكثر من صعيد، ورسم طريق للإنقاذ الوطني، وتشخيص عناصر القوة لتحقيق ذلك.
والنداء وثيقة سياسية تعكس إدراكا عميقا لطبيعة الظرف الراهن، وصيحة انذار وتحذير. لكنه يرسم مسار انقاذ وطني في مواجهة حالة التهديد الوجودي للدولة العراقية، في حال استمرت الأوضاع كما يريد المتنفذون ويخططون، مؤثرين مصالحهم الخاصة الضيقة على مصلحة الوطن العليا .
ونظرا لحصول القناعة بعجز المنظومة الحاكمة لاسباب عدة، تتصدرها مصالح أطرافها،عن طرح حلول لما تراكم من أزمات، فقد بات انتظار ان تأتي هذه المنظومة بحلول، تضييعا للوقت وترقبا لمعجزة لن تاتي. فهذه الأطراف لن تتخلى طواعية عن امتيازاتها او نهجها المحاصصاتي، الذي هو أسّ البلايا والأزمات. ولا ادل على ذلك الان من هذا العجز البيّن في تشكيل الحكومة، بعد استنفاد كل المدد الدستورية وزيادة .
جاء النداء أيضا في وقت تتصاعد فيه وتتفاقم المخاطر الإقليمية والدولية، وما تحمله بسبب عوامل متشابكة عدة ومنها داخلية، من تحديات تواجه العراق. ومن ذلك دفعه الى ان يكون طرفا في صراع لا مصلحة لعموم العراقيين فيه. وهذه المخاطر قائمة رغم اعلان الموقف الرسمي الحكومي بالنأي بالبلد عنها. ولكن شهدنا تعددا لمراكز القرار العسكري والأمني، ما يشكل خطورة كبيرة على امن البلد واستقراره وسيادته، ما أعاد من جديد أهمية وضرورة حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة الدستورية، ومركزة قرار الحرب والسلم.
وهنا تتوجب الإشارة الى ان النداء قال رأيه بوضوح، في العدوان الأمريكي – الصهيوني المدان ضد ايران، والذي يجب ان يتوقف حالا.
وفي النداء قراءة متمعنة لتفاقم الازمات الاقتصادية والمالية والمعيشية، حيث أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الاقتصاد العراقي، وعدم قدرته على مواجهة أزمات حتى على المدى القصير، لاسيما مع استمرار الاعتماد على تصدير النفط الخام، وتمركز ريعية الدولة، وتفشي الفساد، وعدم الاقدام على تنويع الاقتصاد وتنمية قطاعات منتجة على نحو ممنهج، الأمر الذي فاقم الاعتماد الكبير على الاستيراد الخارجي، المعرّض لضغوطات عديدة سياسية واقتصادية وامنية. فلكل هذا وما يواجهه المواطنون من ارتفاع الأسعار، وبقاء نسب الفقر والبطالة عالية، وضعف الخدمات الأساسية المقدمة من الدولة، تتعاظم الحاجة الى تقديم بدائل وحلول منطقية، تعيد توظيف الموارد المالية، وتُحسن استخدامها لصالح تنمية مستدامة. وهو ما سعى النداء الى تبنيه والدعوة إليه مركّزا على الأولويات.
كذلك جاء النداء كاستجابة لتطلع جماهيري يتسع يوما بعد يوم، وتوق الى التغيير عبر مسار ومنهج مختلفين عما هو متبع حاليا. وهنا يأتي التشديد على الوعي والتنظيم، والارتقاء باساليب الضغط السلمي متعدد الاشكال، وتوحيد كل الطاقات في مسار تصاعدي تراكمي، يفضي الى فرض إرادة الشعب. ومن ذلك اجراء الانتخابات المبكرة النزيهة والعادلة، التي تُهيء الظروفَ المناسبة لها حكومةُ وطنية انتقالية ذات صلاحيات ومهام محددة زمنيا، طالب النداء بتشكيلها كمخرج من حالة الانسداد، التي تكررت وستبقى، طالما بقي التمسك بذات المنهج والسلوك والاداء، بل وحتى الشخوص .
وحمل النداء، بروح الحرص والمسؤولية ورؤية المخاطر المحدقة ، دعوة وطنية الى العمل المشترك وتوسيع دائرة الفعل الجماهيري والارتقاء به، فهو في نهاية المطاف ما يعول عليه في تحويل النداء ومضامينه الى واقع معاش.
انه نداء يأتي في لحظة حاسمة، وفي وقته ليكون نقطة شروع نحو مسار جديد، وطني بديل يضع العراق على سكة التعافي، ويقود الى الخلاص من الازمات واساسها، بدلا من تدويرها وادامتها.
ان دعم هذا النداء وتحويله الى فعل، هو دعم لمسار ينحاز الى الناس ومصالحهم، والى إرادة سياسية تسعى نحو بناء دولة المؤسسات والمواطنة والقانون والديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية، الدولة ذات السيادة الكاملة، والتي تمتلك قرارها الوطني المستقل، والمتحررة من أي وجود عسكري اجنبي على أراضيها.