اخر الاخبار

بعد خمسة أشهر من الانتخابات، وبعد مخاض عسير، جرى انتخاب رئيس للبرلمان ونوابه إثر تفاهمات وتوافقات محسوبة، تلتها مرحلة مساومات ومفاوضات، نفدت فيها كل الذخيرة التي تمتلكها الكتل الفائزة، فانتهت بحسم انتخاب رئيس الوزراء والجزء الأكبر من الكابينة الوزارية.

وكما جرى دوماً، خابت آمال من حبسوا أنفاسهم وانتظروا ولو تغييراً واحداً، يثبت صدق النوايا، أو على الأقل يقلل من قُبح النهج القائم على أساس المحاصصة المقيتة في تقاسم السلطة، وما تعنيه السلطة في بلد غني مثل العراق، وفي ظل غياب شبه تام للقانون وأجهزة الرقابة، خاصة بعد تجربة السنين المنصرمة، التي لا يوجد دليل على فساد نموذج الحكم وفشله وتوالي أزماته،  أكثر وضوحًا منها.

ورغم اختلاط أمور كثيرة في المشهد، إلّا أن أهمها كان وجود وزيرة واحدة فقط من بين الوزراء الذين مُنِحوا ثقة البرلمان، مما يؤشر أحد أقوى التحديات الراهنة، وأعني به القبول بالكابينة الحكومية بلونها الذكوري الصارخ، وبضعف التمثيل النسوي فيها، والتسليم بأغلب المؤشرات الخطيرة التي تشير إلى تراجع كبير في تمثيل المرأة، فواقع الكابينة الجديدة يكشف ضعف الإرادة السياسية في تقبل وجود المرأة وتعزيز دورها في مواقع تنفيذية متقدمة، مما يجعل المشهد أكثر سوداوية وأكثر سخرية، وهنا لا نتحدث عن تمثيل شكلي، بل عن استحقاق وكفاءة تتحول على ضوئهما الأقوال إلى أفعال.

إن غياب المرأة، بوصفها طرفًا مهمًا في تصحيح العملية السياسية وتحقيق التقدم والتنمية، يكشف لنا ضعف آليات تعزيز التمثيل الحكومي واستمرار التمييز، وبقاء الخطط والقرارات المتعلقة بتطوير دور المرأة حبرًا على ورق، وتحول أحلام المنظمات المدافعة عن حقوق المرأة والأسرة والطفل إلى نوع من السراب. كما ينذر ذلك بمخاطر مواجهات محتملة مع هذه المنظمات، إذ سيتحول أبسط موقف يصدر عنها إلى فرصة لإطلاق الاتهامات والتشكيك والتخوين، لا سيما مع تقييد حرية التعبير، واتساع تكميم الأفواه إلى حد ارتكاب جرائم تنتهي برصاص يكتم الأنفاس، وكأننا في دولة تخلو من قانون ومؤسسات ودستور.

وهكذا تضعنا هذه المرحلة المعقدة والخطيرة للغاية، والتي تشهد تدخلاً فظًّا من قبل الأطراف الخارجية في الشأن الداخلي العراقي وتدهوراً في التركيبة المؤسساتية، أمام مواجهة مخاطر أعظم، تتطلب منا، كنساء، لغة تُبعد عنا شبح القتل والتشويه والتهديد، وتنظيماً مجتمعيا داعماً ومناصراً، وتشكيل فرق وطنية وشعبية مساندة وضاغطة على السلطة، بوصف ذلك وسيلة لتصحيح منظومة الحكم وتحسين واقع تمثيل المرأة.

ولن يحدث هذا إلّا إذا وجدنا المرأة تأخذ استحقاقها الكامل في تبوء مواقع متقدمة، لضمان مساهمتها الفعلية في اتخاذ القرارات وسنّ القوانين، والمشاركة المتكافئة في السلطة التنفيذية، وفي توجيه دفة القطاعات الحيوية بالبلاد، من أجل التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية والازدهار وخدمة الإنسان العراقي وتوفير الاستقرار.