(في الذكرى الرابعة لعبوره الى الضفة الأخرى)
لم تكن صورته الجسمانية قد ارتسمت بعد في أذهان شبيبة متجمّعين قبالة جهاز تسجيل صغير، لحظة إصغائهم لشريط تسجيل مهرّب من أماكن شتى، بل تجسّدت لهم ثورة تمشي بين الكلمات عبر ذلك الشريط، الذي عبر كل الحدود بأسلاكها الشائكة وبواباتها المقفلة بوجه صاحب الصوت: "انا لم أشرك، ولكن اغلق الأبواب في وجهي مراراً وطني"، لتدخل كل بيت وتتغلغل في وجدان كل إنسان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. هاجسٌ ظلّ يلازم الناس بكلّ فئاتهم العمرية وهم يستمعون إليه، ليرسم طريق الثورة بأسمى معانيها، يحاكي الفقراء وضمير الناس في كل مكان، صارخاً بكل ما فيه من قوة أن انتفضوا ضد الظلم والطغيان، وصوغوا حياتكم بأجمل ما تريدون لها أن تكون!
ساعتها كنّا طلّاباً في الجامعة أوائل ثمانينات القرن المنصرم، حيث نتحلّق منصتين خلسة لكلماته عبر جهاز تسجيل جلبه أحد زملائنا من الطلبة السودانيين في القسم الداخلي ليلاً، وهو يترنّم بوترياته، لنحفظها عن ظهر قلب. وما أن تخرّجنا وسيق بنا إلى أتون الحرب حطباً لشهوات طاغية مستبد، كانت كلمات مظفّر معنا، نردّدها مع أنفسنا في الخنادق وفي السجون لاعنين الحرب ومَنْ أشعلها!
كبرنا فكبرت معنا هذه الكلمات، وصارت هاجسنا الذي ما انفكّ يثير فينا نوازع الثورة والتمرّد!!
في الجامعة أردنا أن نتمرّد بطريقتنا الخاصة فصرنا صعاليك نلوك كلمات الثورة المظفّرية، غير آبهين بما ستجرّه علينا من عواقب، لأننا نريد أن نشعر بأننا قريبون من مظفّر النوّاب روحاً وهاجساً ثورياً متمرّداً على كل شيء!
ومع الوتريات كانت البنفسج وروحي، تلكما الأغنيتان اللتان أصبحتا جواز سفر لمحبّتنا لكلّ ما هو جميل في هذا الكون، رغم ما فيهما من حزن، بصورهما الشعرية التي تجعلك تطير فوق خيالات المعنى بأسى شفيف !!
مظفّر النوّاب: كان وسيبقى قصيدة ثائرة تصل إلى أقصى مديات الثورة رغم كل شيء!
مع الشعر كانت حياته النضالية تسير متوازية، حيث سمعناها وقرأناها في مذكّرات من زاملوه في السجون التي امتدّت من جنوب الوطن وحتى شماله، كنقرة السلمان وسجن الحلة والكوت وبعقوبة وما إلى ذلك من محطّات نضالية، كانت له وقفات شامخة تسمو إلى معارج البطولة بكل معانيها السامية، حيث حكاية حفر النفق ومحاولة الهروب من سجن الحلّة، التي وقعت كالصاعقة على رؤوس الحكّام والمسؤولين والسجّانين آنذاك، وجعلتهم أقزاماً أمام بطولة مظفّر ورفاقه وهم يحفرون نفقاً، رغم خطورة العمل ومحظوراته لينجحوا ويجعلوا السجّانين والجلّادين أمام هزيمة منكرة وصدمة لم يفيقوا منها.
وتجيء رحلاته، بل محاولات هروبه إلى الأهواز وغيرها، وصولاً إلى ابعد من ذلك حاملاً الوطن معه رغم ما واجه من مواقف صعبة وقاسية جدا.
كل هذا صاغه شعراً عبر قصائد وصلت بصوته إلى آذان محبّيه، قبل أن تصل مكتوبة ليتناقلوها في ما بينهم كمنشورٍ سرّي.
كانت كلماته منشوراً سرياً حقاً، إذا ما وقعت بيد السلطات الفاشيّة ستودي بحياتنا إلى مقاصل الإعدام، لكننا كنا نغامر من شدّة هوسنا ومحبّتنا وتعلّقنا بمظفّر المناضل والشاعر والإنسان. انه ثورة عبر كلمة، وعنوان حياة زاهدة العيش، تريد للإنسان الخير والحريّة والكرامة، وتحلم بوطن حرٍّ وشعب سعيد!
رحل مظفّر جسداً لكنّ قصائده ستظلّ تعلّمنا دروس ومعاني النضال والثورة والحياة الحرة الكريمة في كل زمان!
سلامٌ عليك أبا عادل في كل وقت !