تؤكد المفكّرة كلارا ماتي أن القرارات الاقتصادية ترتبط دائمًا بخيارات سياسية واجتماعية، وأن الحديث عمّا يُسمى بالقوانين الاقتصادية الطبيعية، ليس سوى محاولة لتبرير سياسات تُفاقم الفوارق الاجتماعية وتُضعف الديمقراطية، فالاقتصاد والعدالة الاجتماعية والحريات عناوين ثلاثة مترابطة، تتقدم سوية وتتراجع معاً.
ولهذا كانت إجراءات التقشف، وهي سمة من سمات النظام الرأسمالي، التي يحلو للمستغِلين تسميتها بالإصلاح الاقتصادي، ليست سوى تقليص لمكتسبات الشغيلة ومضاعفة لأرباح رأس المال، عبر تخفيض الإنفاق الاجتماعي، واتباع آلية الضرائب التنازلية، وتجميد الأجور، حتى لو أدى ذلك إلى تراجع في النمو، وإخلال بالعدالة الاجتماعية، مع استعداد لقمع المقاومين لهذا الظلم، بالعنف إذا ما استلزم الأمر ذلك.
وتكشف أيّة قراءة لما يحدث اليوم في العالم صحة ما ذهبت اليه كلارا ماتي، فبعد تقهقر الليبرالية، واتساع العمل غير المنظم، وتراجع دور النقابات، وتدني مستوى الرعاية الاجتماعية، وتغوّل الخصخصة، وارتفاع معدلات البطالة، وإخافة الناس من الكوارث التي سيجلبها لهم تسيد اليمين الرجعي الفاشي، تم إضعاف القدرة التفاوضية للشغيلة وإجبارها على القبول بأجور متدنية، وبالرضوخ للواقع والتسليم بظروف العمل الاستغلالية، مما حقق استقراراً للعلاقات الطبقية وأرباحاً أكبر لرأس المال.
كما تفضح هذه القراءة الأكذوبة التي طالما صدّع بها المحافظون الجدد رؤوسنا، من أن الخراب الاقتصادي سببه الإنفاق الكبير الذي تقوم به الدولة. فواقع الحال يشير إلى أن هذه الدولة لا تتدخل لتنفق الأموال لصالح الشعب، حتى حين تقلّص الإنفاق، بل لتمنحها للرأسماليين، من خلال رفع أسعار الفائدة، وتقليص الضرائب على الأرباح، وزيادتها على الاستهلاك، وتحويل الخدمات الأساسية إلى بضائع، كالتعليم والصحة وتعبيد الشوارع والصرف الصحي والنقل والسكن وغيرها.
ولما كانت البرجوازية بحاجة لبشر يبيعون قوة عملهم كي يعيشوا، وهم من ينتجون فائض القيمة الذي تتراكم بسببه أرباحُها، يكون الاستغلال والانحياز في إعادة توزيع الثروة لصالح الرأسماليين، وتوجيه الإنفاق نحو السوق، من طبائع الأمور في الدولة الرأسمالية، ويصبح متوقعا أن تتحول هذه الدولة إلى الاستبداد لحماية الاستغلال، عندما يرفضه الناس.
ويبدو طبيعياً أن تنطبق جوهر هذه الاستنتاجات على الاقتصاد العراقي، فحين يهيمن تحالف بيروقراطي طفيلي على السلطة في نظام رأسمالي ريعي متخلف، تفقد مهمة إنقاذ ملايين الجياع والمحرومين أهميتها، ولا يتم ضبط الإنفاق لصالح الشعب، بل يُعاد توزيع الثروة لصالح التحالف الحاكم. فتحت شعار الخصخصة تتحول الخدمات الأساسية إلى سلع باهظة الثمن ويتم تسليمها لشركات ربحية، وتحت شعار جذب الاستثمار يُمنح بعض المستغِلين منافع بلا حدود من المال العام، كالإعفاءات الضريبية والكمركية والخدمات المجانية، فيما تُصرف المليارات من الثروة الوطنية لتمويل المصارف الخاسرة والشركات غير المنتجة والمقاولين، ضماناً لما يسمى بالاستقرار المالي.
ورغم أن هذا كله ليس بجديد، إذ يكتوي الشعب ومنذ ربع قرن بالعذابات الناتجة عنه، ومن أشدها قسوة استمرار البطالة وغياب الخدمات والتنامي السريع في أعداد من هم دون مستوى الفقر، واعتراف البيروقراطيين والطفيلين بنهب ثروة البلاد الهائلة، فإن تصريحات الحكومة الجديدة ووعودها بالخروج من الأزمة وأدت آمال المتفائلين وبدت من الكوميديا السوداء.
بعض تلك الطرائف التي سمعتها ذكّرتني بالجزائر، فقد كنت منفياً فيها يوم توفي الرئيس بومدين. الجنرال الذي خلفه طلب من مساعديه كتباً سياسية تؤهله لدوره الجديد، فاعطوه كتاب لينين (خطوة للأمام، خطوتان للوراء). غضب الجنرال لأنه ظن أنه كتاب لتعلّم الرقص لا السياسة. ويبدو أن معارف الجنرال وخبراته كانت كافية لتوصل البلاد في عهده لحرب إرهابية راح ضحيتها الآلاف.