اخر الاخبار

تُعدّ الإجراءات الأخيرة المتخذة والمعلنة بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وهو المطلب الذي يحظى بقبول وتأييد واسعين، تُعد عموما خطوات في الاتجاه الصحيح، وتستحق التشجيع والدعم رغم انها ما زالت في بداياتها، وتحتاج الى رؤى متكاملة وآليات تنفيذية واضحة، والى سقوف زمنية محددة تضمن تحقيق أهدافها، مع أهمية التشديد على ان تكون شاملة لكل السلاح خارج مؤسسات الدولة الدستورية، وبحيث تفضي في النهاية الى توحيد القرار الأمني والعسكري تحت سلطة الدولة ومؤسساتها المكلفة دستوريا.

وهذه العملية التي طال انتظارها كثيرا، ليست اجراء تنظيميا او إداريا بحتا، بل هي تشكل ركنا مهما من اركان السيادة الوطنية الحقيقية. فمسالة الحرب والسلم يجب ان تبقى من الاختصاصات الحصرية لمؤسسات الدولة المخولة، لأن لهذا صلة بالمجتمع ككل، وليس بفئات او مجاميع معينة، كما انه وثيق الصلة بالسيادة الوطنية الشاملة ذاتها، التي تشكل أحد اهم التحديات التي تواجه العراق اليوم.

ويبدو ان الامر استقر وفقا للقانون الدولي، على القول بان السيادة الوطنية تمثل السلطة العليا للدولة على أراضيها ومواطنيها ومواردها، وحقها في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية من دون خضوع لإرادة خارجية. فيما شددت الأمم المتحدة على المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء فيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام وحدة أراضي الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وإذا تحدثنا عن أهمية احتكار الدولة للسلاح المشروع وللقوة المساحة، فهذا يشكل عنصرا هاما في السيادة الوطنية، التي لا تقتصر عليه بحكم تشكلها من مكونات عدة متكاملة ومترابطة. فربط السيادة الوطنية بمجرد حصر السلاح وتحقيق الامن والاستقرار، يعد فهما قاصرا لها.

فهناك ارتباطها الوثيق بامتلاك ناصية القرار السياسي والوطني المستقل، وبصياغة السياسات الداخلية والخارجية انطلاقا من المصلحة الوطنية العراقية العليا، لا استجابة لضغوط او املاءات خارجية من أية جهة جاءت، بشكل مباشر او غير مباشر.

وتبرز في هذا السياق قضية الوجود العسكري الأجنبي بجميع تجلياته، فاستمرار هذا الوجود او تحوله الى عامل مؤثر في القرار الوطني، يثير تساؤلا مشروعا حول مدى تمتع العراق بالسيادة الفعلية واكتمالها.

 على ان السيادة في عصرنا الراهن تمتد لتشمل الاقتصاد والمال أيضا. فالدولة التي لا تستطيع التحكم بمواردها او تعتمد بشكل كبير على الخارج، تكون سيادتها هشة ومعرضة للضغط.

وبلدنا رغم امتلاكه واحدا من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، يواجه تحديات جمة بسبب اعتماده على وارادات النفط الخام المصدر، والذي لا يمكن التحكم بكمياته وبأسعاره.  وارتباطا بهذا اثارت مسالة إيداع جزء مهم من عائداته النفطية ضمن النظام المالي الأمريكي، قلقا مشروعا وخصوصا بعد مضي مدة طويلة على هذا الاجراء، الذي قيل في وقته انه لمصلحة حماية الأموال العراقية. فهل الحاجة لذلك ما زالت قائمة ام انتفت؟ ولا شك ان القلق يزداد عندما تستخدم تلك الأموال للابتزاز والضغط السياسيين.

وبالطبع لا يمكن فصل السيادة الوطنية عن ماهية الدولة ذاتها، فالدولة التي تعاني من المحاصصة وتخادم المكونات والفساد وضعف المؤسسات وعجزها عن القيام بمهامها، تواجه صعوبات جدية في اتخاذ مواقف مستقلة وحماية استقلالها. وبعكسه تكون في حالة مناسبة لحماية مصالحها الوطنية عندما تعتمد الكفاءة ويسود فيها القانون وتتوفر إمكانية انفاذه على الجميع. ومن هنا الحديث عن ضرورة اصلاح حقيقي لمؤسسات الدولة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، واعلاء شأن المواطنة، وتحقيق قدر معقول من العدالة الاجتماعية، وهذه كلها شروط أساسية لبناء وترسيخ السيادة الوطنية.

نخلص الى انه عندما تكون الدولة قوية، وتمتلك قرارها السياسي، وتحتكر استخدام السلاح والقوة، وتحمي مواردها وثرواتها، وتدير بشكل كفوء اقتصادها، وتقيم علاقات متوازنة ومتكافئة مع العالم على أساس المصالح والاحترام المتبادلين، وتكون مؤسساتها قادرة على فرض القانون وخدمة المواطنين بكفاءة وعدالة ومساواة، عندها يمكن القول انها دولة تسير في الاتجاه السليم نحو تعزيز سيادتها الوطنية وصيانة قرارها الوطني المستقل.

وبناء على ما تقدم يتوجب ان يكون حصر السلاح بيد الدولة، على أهميته، جزءاً من كل هذا الذي ينتظره العراقيون بفارغ الصبر، لا اجراءً معزولا عن الحاجة الوطنية الشاملة الى عراق آخر مختلف، يستحقه مواطنوه.