اخر الاخبار

 في لقطة تلفزيونية مريعة ظهرت والدة الطفلة الضحية المغتصبة غزل ذات الأربع سنوات، أمام أخيها المجرم المعتدي على طفلتها. ظهرت تنتحب بحرقة معاتبة إياه عن فعلته الشنيعة، ومذكّرةً بأنها امتثلت لكل أوامره بالحشمة وعدم الخروج من البيت وغيرها، ومستفسرةً عن سبب عدم رغبته في نقل طفلتها إلى أبيها رغم إجرامه بإهمالها هي والطفلة وعدم دفعه النفقة .. ورغم تشابك تفاصيل هذه الجريمة ووضوح بيئة الأم وللطفلة معا.

 هنا لابد من مراجعة الوضع الاجتماعي لهما ولعموم النساء اللاتي يفتقدن المورد المالي المناسب، الذي يبعد سيف الحاجة عن رقابهن ويصون حريتهن وكرامتهن بعدم التعويل على الآخر حتى وإن كان من الأقارب.

في كتابه "النحت على صخرة الموت / قراءة أنثروبولجية تأويلية في شعر النعي لنساء جنوب العراق" يحلل الباحث والإعلامي المعروف سعدون محسن ضمد مدى الحيف الذي يلحق بالنساء في المجتمع الذكوري المحتكم الى تقاليد العشيرة، وكيف عبّرت النساء على مر العصور عن تمردهن وصرخاتهن برفض الظلم، وتكريس حقوقهن الإنسانية بعيدا عن عبء الحاجة والاستغلال والتحجيم، ساعيات الى كسر صورتهن النمطية وتعزيز حضورهن الاجتماعي.

ويكشف ضمد عبر تقصيه وبحثه في شعر النعي لنساء الجنوب، عما يحتويه من انكسار شديد ومؤلم، يطفح عبر إبداع مخصص للرثاء وليس للشكوى. فشعر النعي منظوم لرثاء الميت، لكنه يخاطب الحيّ لا الميت، بهدف تنميط سلوك الرجل تجاه المرأة وإلزامه بشروط محددة، وحثه على تصرفات معينة خدمةً لها ورعايةً لمصالحها، وسط تلك الثقافة الذكورية التي لا تسمعها ولا تسمح لها بالاشتراك المباشر في رسم ملامح حياتها.

النساء يطالبن بالحماية من الغير ومن الظروف والعقبات التي تواجههن. يطلبن مثلا الحماية من أذى الأنذال بقولهن: "من يوم شيلتكم ياأبطال .. وعليَّ لسان النذل طال .. والجان حرمة صار رجال). وهن يهجين بقسوة حين يعجز الرجل عن حمايتهن اقتصاديا، كأن يبخل الأخ عليهن ويتعامل معهن بلؤم، فيقلن: "ما أريد الخوته حيله .. أريد اليحب إبني ويشيله .. ومن جيبه يترس شليله".

ويشرح الكاتب معنى الحماية الاجتماعية من جانب ألأخ، الذي تعذره اخته إن كان فقيرا، لكنها لا تعذره اذا تأخر عن زيارتها بين الحين والحين، من اجل أن يشعر زوجها وأهله إن من ورائها أهلاً يسألون عنها، معتبرةً اهتمام أخيها أمانة لا يجوز التخلي عنها،  فتقول: "ياخوي وأمي شوصّتك ..فوك الوصية حبتك .. وأختك أمانة بركبتك". وعن الوالد تقول: "يابوية محبس يميني .. ويازهوة الدنيا بعيني .. عكبك ياهو اليلفيني".

كما تطلب كفالة أبنائها مؤكدةً حقهم في رعاية اخوتها لهم، خصوصا بعد موت زوجها، فتقول: "أعاتبك واعتب عليك .. الغيض ياذيني وأحاجيك .. حكي وحك ابني عليك".

وتتعدد الحمايات، فمنها حماية هيبتها في بيت زوجها وبين الناس، وحمايتها من جور زوجة وليّها، مثلما تدفع بحمية الإخوة لرعايتها حين تقول: "هنيالها الخوّانها اثنين .. ايطلعوها من الوحل والطين".