لم يكن الموروث الحسيني في منطقة الفرات الأوسط وجنوب العراق، بالنسبة لكوكب حمزة (ابن مدينة القاسم في بابل، المشبعة بالطقوس العاشورائية) مجرد طقس ديني عابر، بل كان مدرسة درامية وموسيقية متكاملة، اختزلت شجن قرون من الانكسار والاحتجاج.
وتجلى هذا التاثير في اغنية (ابنادم) التي لحنها كوكب، وكتب كلماتها الشاعر ذياب كزار (ابو سرحان)، وغناها المطرب حسين نعمة، فهذه الاغنية تحديداً لا ترتبط بالإرث الحسيني بشكل عاطفي عام فحسب، بل إنها مبنيه بالكامل، في ايقاعها وصورها الشعرية، على الطقس والوعي الحسيني.
أدرك كوكب حمزة مبكراً أن أصدق نغمة يمكن أن تحرك وجدان الانسان هي النغمة التي تعيد تدوير شجنه التاريخي، لذلك أخذ من المنبر الحسيني عمقه الدرامي، وصهر فيه روح الحداثة، ليخرج بأغنية 'ابنادم" كمرثية كبرى للذات الإنسانية.
الجمل اللحنية في "ابنادم" لا تسير في خط تطريبي مستقيم، بل تتحرك بآلية تشبه "النعاوي" (رثاء النساء في الجنوب العراقي). يبدأ اللحن بالنداء (الاستغاثة الوجدانية)، ثم يصعد إلى ذروة الأنين والتفجع، لينتهي بهبوط حاد يحاكي التنهيدة والكسرة النفسية. وهذا التدفق النغمي المشحون بالمرارة هو نقل حرفي لسيكولوجية "العزاء الحزين" إلى فضاء الأغنية الحديثة.
أما الإيقاع الذي بُنيت عليه الأغنية يحمل ثقلاً وطاقة تعبيرية تشبه، إلى حد بعيد، إيقاع السير في المواكب الجنائزية، أو ما يُعرف بـ " الردسة "(اللطم البطيء الثقيل الذي يضرب على الصدور بحركة منتظمة وموجعة). هذا النبض الإيقاعي البطيء والمستمر يخلق حالة من " التنويم المغناطيسي" للمستمع، ويجبره على الدخول في حالة من التفكير السمعي العميق، محولاً الأغنية من وسيلة للتسلية إلى طقس تأملي.
يقوم الخطاب الحسيني تاريخياً على ثنائية المظلومية في مواجهة الطغيان، والكبرياء رغم الانكسار الجسدي. وهذا بالضبط هو لسان حال أغنية " ابنادم"، فهي تبدأ وتنتهي بالانكسار والشكوى الباطنية الشبيهة بمناجيات عاشوراء: " ورفة جنيح مكسور يا ابنادم.. كَلبي يرف بسكوت". لكن هذا الانكسار لا يتحول إلى استسلام، بل يُغلف بنبرة احتجاجية صامتة ورفض عميق للواقع، وهو جوهر الفكرة الحسينية التي ترى في الحزن والدموع طاقة للرفض والتمرد، وليست مجرد استجداء للشفقة.
لم يكن كوكب حمزة مجرد ملحن يمر على التراث ليأخذ منه قشوراً، بل كان يعيد صياغة الوعي السمعي الجنوبي، حيث تشكلت ذاكرته الأولى في مجالس العزاء وفي " الردات " الحسينية التي تمتاز بالطاقة العاطفية الهائلة والشجن الاحتجاجي. ويظهر تأثير هذا الموروث في "ابنادم" بوضوح على عدة مستويات بنائية وتعبيرية، إذ تميل ألحان كوكب حمزة في هذه الفترة إلى استلهام ألوان نغمية تلامس مقامات مثل البيات والشور، وهما من أكثر المقامات حضوراً في قراءة المقتل والقصائد الحسينية في الفرات الأوسط والجنوب. وتمتلك هذه السلالم الموسيقية قدرة طبيعية على تحفيز الشحنة العاطفية المختزنة في الوجدان العراقي، مما يجعل المستمع يشعر بألفة غامضة وحزن شفيف منذ سماع المستهل الموسيقي.
إن عبقرية كوكب حمزة تكمن في قدرته على علمنة الحزن الروحاني؛ فقد أخذ الوجع من سياقه الطقسي الضيق، وصاغ منه نشيداً كونياً يتسع للإنسان في كل زمان ومكان. كما أن التحام مفردات أبي سرحان الجزلة، والمتجذرة في الأرض، مع رؤية كوكب حمزة الموسيقية، جعل من "ابنادم" نموذجاً فريداً لكيفية تحويل "الموروث الشفاهي السمعي" إلى وثيقة فنية وإنسانية خالدة ضد الغربة والضياع.
استخدم الشاعر أبو سرحان في الأغنية الرمز الحسيني الأبرز والأكثر إيلاماً في الوجدان العراقي، وهو "العطش الحسيني على ضفاف الماء" إذ يقول:
(لا هي سنة وسنتين يا ابنادم..
ولا هي حسبة موت..
حسبة عمر عطشان..
والماي حدره يفوت)
فهذا البيت ليس مجرد وصف لعطش عاطفي؛ بل هو إسقاط مباشر على مظلومية الإمام الحسين في كربلاء، عندما مُنع عنه وعن عياله ماء الفرات، الذي يجري على مرأى منهم. وقد استعار أبو سرحان هنا الرمز التاريخي ليصف به حال الإنسان العراقي الذي يعيش فوق أرض الخيرات والرافدين، لكنه يمر بـ "حسبة عمر عطشان" بفعل الحرمان والاضطهاد.
وهكذا يظل هذا العمل تجسيداً لعبقرية كوكب حمزة في صهر الموروث الطقسي والشعبي الجنوبي داخل قالب حداثي يجمع بين عمق الشعرية والدراما الموسيقية.