برزت في مجرى النقاش الواسع لتوحيد اليسار العراقي، أو توحيد نشاطاته، تساؤلات عديدة حول آليات تفعيل دوره السياسي والاجتماعي، والأشكال التنظيمية التي يمكن أن يتخذها ذلك، ولاسيما بعد أن توصّل هذا اليسار، بكل أطيافه، إلى أن التحالف البرجوازي البيروقراطي ـ الطفيلي الحاكم قد أوقع البلاد في أزمة بنيوية، لا يمكن الخروج منها إلا عبر تفكيك منظومة المحاصصة الطائفية والإثنية، وإنهاء التبعية السياسية والاقتصادية للخارج، تمهيداً لبناء دولة مدنية ديمقراطية تؤمن الحريات، وتعيد توزيع الثروة بما يحقق شكلاً متقدماً من العدالة الاجتماعية.

وعلى الرغم من تراجع النفوذ السياسي والتنظيمي لليسار في العقود الماضية، بسبب عوامل ذاتية وموضوعية، ونجاح التحالف الحاكم فيما يمارسه من تخريب اقتصادي، ونهب منظم للثروة الوطنية، وانتهاكات لمجمل حقوق الكادحين، فإن تواصل الحراك الاحتجاجي شبه اليومي، وتصاعده أحياناً في انتفاضات واسعة، كما جرى في عامي 2011 و2019، يثبت أن المقاومة ممكنة، وإن لليسار طاقات هائلة ينبغي العمل على استثمارها لبناء تحالف متين، ذي برنامج بديل لما هو سائد، مقنع للجماهير، وقادر على تعبئتها وقيادتها نحو الخلاص.

وفي سياق البحث عما يعيق بناء هذا التحالف، تبرز إشكالية العمل بعجالة تحت ضغط المحنة، مما يفتح ثغرات قد تتسرب منها تقديرات وهمية لقدرات الذات، وتغلق العين عن سلبيات الآخرين، وتحفّز ما يختزنه الذهن من رواسب البداوة، فتعيق الاستفادة من النقد والنقد الذاتي، والصبر والإيثار الثوريين، فضلاً عن صعوبة تقييم أسباب الفرقة ونقاط الخلاف التي أعاقت الوحدة حتى الآن، وبالتالي عدم وضع معالجات علمية تحصّن التحالف من التفكك السريع.

ويكتسب وجود تفهم مشترك لضرورة التحالف، وماهيته، والمرتجى منه، أهمية كبيرة، تفوق في تقديري، وحدة اليسار نفسها، ولاسيما إذا اتسم هذا التفهم بالألق الثوري، أي إذا خلا من أطراف تبحث في التحالف عمن يحملها إلى كرسي القيادة أو إلى مقاعد البرلمان، أو تتوهم إمكانية تحقيق توسع جماهيري بتبني برامج إصلاحية أو خطط طفولية متياسرة.

وفي هذا السياق، فإن الشعار المركزي لهذا التحالف، وإن اختلفت تفاصيله وأولياته، ينبغي أن يدور حول إنشاء بديل جاد مناهض للأوليغارشية، ولمنظومة المحاصصة التي تحكم بها، ولقيود التبعية السياسية والاقتصادية للخارج التي قُيّدت بها بلادنا، بديل يقيم دولة الحرية والعدالة الاجتماعية، بديل قائم على قطيعة تامة مع أوهام السلام الطبقي، لكنه لا يرفض، في ذات الوقت، اتخاذ المواقف المرنة بناءً على قراءة دقيقة للواقع، وللأهداف التي يرتجيها، وحرصه على صيانة قاعدته الجماهيرية وتوسيعها. 

ويمثل التعاون غير المحدود بين أطياف اليسار، في ساحات العمل الجماهيري، كالنقابات، والحركات الشعبية، والحراكات الاحتجاجية، والنشاطات المطلبية المحدودة، حجر الأساس لوحدتها ولتطور عملها، شرط أن يُُمنح تحقيق الأهداف المشتركة الأولوية على الاختلافات النظرية والسياسية، وعلى الحاجة للتوسع التنظيمي، فهذا التعاون هو السبيل لمعالجة الاختلافات، وليس العكس، وهو ما يحيل لهيبها لجمر هادئ ينضج عليه ما يسد سغب الجموع لغد إنساني أجمل. إن الحوار الديمقراطي الرفاقي، بعد يوم نضالي مثمر، هو خير سبيل للوحدة المطّهرة من أردان الشللية، والتوازن بين مصالح لا جامع لها بمصداقية اليسار.

وإذا كانت الألوان لا تتخاصم في النور، حسب المتصوفة، فإن حل التناقض بين من يرى في التنوع إثراءً، وبين من يراه مثبطاً للوحدة، ضرورة وجودية، وذلك عبر الوصول إلى تصور مشترك حول المدى الذي يتسع له هذا التنوع، ويحيله لفضاء حر مفعم بالاختلاف الخلاق، وغير الضار بوحدة الإرادة والعمل.