حظيت إجراءات مكافحة الفساد وملاحقة سارقي المال العام التي أطلقتها الحكومة والقضاء وهيئة النزاهة، بتفاعل كبير بين اوساط شعبية وسياسية، لكنها لم ترتق بعد الى حملة وطنية شاملة بشروطها واستحقاقاتها. وهي بحد ذاتها اختبار لقدرة الحكومة والقضاء على فرض القانون على الجميع، وبالتالي استعادة ثقة المواطنين وهيبة الدولة.
الان وحيث تطلق وعود حكومية بمواصلة الحملة، فبالقدر الذي يولده ذلك من ارتياح، يثير تساؤلات مشروعة، وخصوصا بعد الأحاديث عن " التسويات المالية " و"حفظ حقوق العراقيين".
فالمهم الان ليس سماع ارقام عن الأموال المنهوبة وكميات الذهب التي تم العثور عليها، بل ان المواطن يريد ان يرى عدالة تتحرك، ومحاسبة تصل الى الجميع، وقبل كل شيء إرادة سياسية مصممة على المضي الى نهاية الشوط، ولا تتوقف عند حدود استرجاع أجزاء من المال المسروق. وهنا يبرز السؤال الحارق: هل يكفي استرجاع الأموال المسروقة والمهربة؟
عند إعادة ترتيب الأمور من بدايتها نقول باطمئنان بأن الأموال التي سرقت هي لا تعني فقط المبالغ التي اختفت من المال العام، او اهدرت او فقدت بأي شكل، انها قبل كل شيء السنوات التي ضاعت والفرص التي اُهدرت، فهي مدارس لم تُبن، ومستشفيات لم تجهز، وطرق لم تعبد، وفرص عمل ضاعت، وخدمات حرم منها الملايين، وبنى تحتية عطلت، وكهرباء وطنية غائبة، ومدارس طين في بلد يعوم على بحيرة نفط! وغير ذلك الكثير الذي تعطل بسبب الفساد والفاسدين وحماتهم السياسيين والاداريين.
ومن دون شك فان الاكتفاء باسترداد الأموال المسروقة يحمل رسالة خاطئة الى المجتمع والفاسدين أنفسهم في آن: فالفاسد الذي ينهب المال العام ثم يعيد جزءا مما استولى عليه مع الاحتفاظ بحريته ونفوذه ومكانته لن تكون الإجراءات المتخذة بحقه عامل ردع له وللآخرين. ان من شأن هذا المنطق غير السوي ان يصبح الفساد مغامرة محسوبة المخاطر ومعروفة ردود الفعل بشأنها، فان نجحت حقق الفاسد ما يريد ويبتغي ويشبع نزواته المريضة، وان فشلت أعاد ما يمكن اعادته محتفظا بجزء كبير مما اخفاه او هربه او استثمره او.. الخ.
إن الفساد جريمة مركبة وتداعياتها متعددة، لذا المقاربة للمكافحة يفترض ان تكون شاملة وان يكون استرداد الأموال والوصول الى تسويات جزءا من هذه المنظومة المتكاملة للمساءلة القانونية، وفي ذلك حماية للمجتمع ومنع تكرار الجريمة. فكلما شعر الفاسد بأن العقوبة الحقيقية يمكن الإفلات منها بالتسويات وإعادة الأموال، تراجعت قوة الردع القانوني، وازدادت اعداد ضعيفي النفوس وحفزتهم على المزيد من جرائم السرقة.
والامر ذو إشكالية أكبر عندما يكون السارق قد تولى منصبا عاما واستغله ووظفه للسرقة والانتفاع على حساب المصلحة العامة، فمثل هؤلاء يفترض ان تكون الإجراءات بحقهم متعددة بما فيها الحرمان من العودة الى المنصب العام او المشاركة في الانتخابات والحياة السياسية، ناهيك عن سريان العدالة كاملة.
ان نجاح إجراءات مكافحة الفساد يقاس بمدى القدرة على الوصول الى جميع المتورطين، بصرف النظر عن مواقعهم وانتماءاتهم ونفوذهم. والنجاح يتطلب أيضا مواجهة الجذر السياسي للفساد، أي نظام المحاصصة الذي جعل مؤسسات الدولة تدار بمنطق الولاءات، لا بمنطق الكفاءة والمصلحة العامة.
ولكل هذا، نتطلع الى حملة وطنية شاملة لمكافحة الفساد، تشمل الصغار والكبار. وكما تطال المواطن العادي فهي يجب أن تشمل صاحب المركز المرموق؛ السياسي والاجتماعي والعشائري، وان تكون حملة تفتح كل الملفات، قديمها وحديثها، بما فيها تلك التي تحدث بها المتنفذون أنفسهم في وسائل الاعلام.
نعم، التطلع الى حملة شاملة، لا انتقائية او ظرفية، تردد: لا حصانة لفاسد، ولا حماية سياسية او حزبية او عشائرية او مالية، لأي منهم.. حملة تتصاعد: من التعامل مع نتائج الفساد الى تجفيف منابعه.