إشكالية الاستثمار في الاقتصاد العراقي باتت أطروحة كثيرة التكرار في الأروقة الحكومية وفي وسائل الإعلام وغالبا ما يجري اجترارها مع كل أزمة اقتصادية أو غياب المنجز الاقتصادي للحكومات العراقية المتعاقبة التي تعلقها دائما أما على الإرهاب او الأزمات العالمية وغالبا ما ترتبط هذه الأزمات بأزمة الريع النفطي الناتجة عن انخفاض أسعار البترول ومع تدوير هذه الازمات تعيد دوائر صنع القرار في بلادنا الحديث عن ضرورة إصلاح الوضع الاقتصادي.
تكشف مسيرة الاستثمار في العراق بعد عام 2003 أن البلاد بحاجة ماسة إلى إصلاحات اقتصادية جذرية في مختلف القطاعات مع نظام إداري رشيد وهيكلية مالية راسخة تتمتع بالمرونة في مواجهة الأزمات المالية التي قد تتعرض لها بحكم الفرادة في الريع النفطي باعتباره المصدر الرئيس لتمويل الانفاق العام، واستكشاف فرص متجددة في الاستثمار وخاصة في قطاعات الإنتاج المولدة للدخل وفرص العمل لامتصاص البطالة المتفاقمة وخاصة أوساط الخريجين.
ففي قطاع الصناعة على سبيل المثال فإن وزارة الصناعة تمتلك 65 شركة قائمة في مختلف القطاعات الصناعية وفي مقدمتها الصناعات التحويلية التي انتعشت في سبعينيات القرن الماضي و240 معملا صناعيا لكنها بالجملة عانت من الإهمال والجفاء المقصود لانشغال البلد بسلسلة الحروب وأوضاع ما بعد عام 2003 التي اجتاح الوطن خلالها الاحتراب الطائفي والإرهاب وهذه الأوضاع ألجأت الحكومة إلى الاقتصاد الريعي وكان المفروض أن يكون لفترة محدودة لتنتقل بعدها إلى اقتصاد الإنتاج مع كل مستلزماته من التخطيط التنموي وتحقيق الاكتفاء الذاتي ومغادرة سياسة الانفتاح في الاستيراد والتراجع عن سياسة الإغراق السلعي وتنفيذ القوانين التي تصب في حماية المنتج الوطني.
وفي قطاع الكهرباء وهي التجربة الاخرى الأوضح ملموسية ففي أثناء زيارة رئيس مجلس الوزراء السابق، محمد شياع السوداني، إلى العاصمة الألمانية برلين في كانون الثاني 2023، وقّع وزير الكهرباء زياد علي فاضل وكان ضمن الوفد، مذكرة تفاهم جديدة مع شركة سيمنز الألمانية، تستهدف مواصلة التعاون مع الشركة في مجال تطوير انتاج الطاقة، حيث كانت الشركة فاعلاً أساسياً في هذا القطاع منذ عام 2008. وفي شباط 2023، وقَّعت حكومة السوداني على مذكرات تفاهم جديدة مع شركة جنرال إلكتريك (جي إي) الأمريكية لغرض تطوير المحطات الكهربائية وصيانتها. ولكن يبدو أن المنافسة الشديدة بين هاتين الشركتين لم تحقق ما كانت تصبو اليه الحكومة ولا تتماهى مع تصريحات المسؤولين في وزارة الكهرباء ولا تتناسب قط مع حجم الاستثمارات التي رصدتها الوزارة لصالح الشركتين اللتين أريد تحقيق التوازن بينهما في توليد كميات من الطاقة كفيلة بمعالجة الأزمة التي زاملت العراقيين طوال إحدى وعشرين سنة، وعلى الرغم من كل هذا الانفاق الكبير واستدعاء أكبر شركتين للاستثمار في هذا القطاع الا أن حجم الإنتاج في أحسن ظل يتراوح بين 17 و20 ميكا واط.
وبناء على هذا الفشل المريع في قطاع الكهرباء وسائر القطاعات وتراجع كميات انتاج البترول المخطط لها في عقود التراخيص الأربعة الأولى التي أبرمت في عهد وزير النفط الاسبق د. حسين الشهرستاني فقد تقرر في عهد الحكومة الحالية القيام بزيارة إلى أمريكا بعد فترة الشد والجذب في تشكيل الحكومة وما نتج عنها وارتباطا بالأزمة الجيوسياسية الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، من أجل إبرام عقود جديدة مع الشركات الأمريكية وتوسيع استثماراتها فقد انتهى الأمر وحسب الأخبار المتداولة على الاتفاق على سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم قيل أن عددها 48 بين اتفاقيات ومذكرات تفاهم، لكن تلك الأخبار لم تفصح عن طبيعة تلك الاتفاقيات وتفاصيلها، وإذا ظل الأمر هكذا فاقدا الشفافية المطلوبة فكأنك يا زيد ما غزيت خاصة وان قيمة هذه الاتفاقات حسب التصريحات العراقية بلغت 200 مليار دولار، لكن المصادر الامريكية تشير إلى 60 مليار دولار.
إن جميع القطاعات الشعبية التي ذاقت مرارة تلك الازمات فضلا عن المؤسسات الدستورية تتطلع إلى ضرورة الإفصاح عن التفاصيل الكاملة لتلك الاتفاقيات وقدرتها على الإصلاح الشامل للاقتصاد الوطني.