تلعب السياستان النقدية والمالية دورا أساسيا في عملية التنمية المستدامة في العراق اذا ما جرى التنسيق العملي بين وزارة المالية والبنك المركزي من خلال أدواتهما وخططهما في تطبيق هذه السياسات. غير أن الواقع يشير إلى غير ذلك، فالاقتصاد يعاني منذ أكثر من 23 عاما من تراجع مستمر واعتلال هيكلي وأمراض مستعصية عجزت الحكومات المتتالية من إصلاحه ومعالجة أمراضه ما أسفر عن تدهور في الأوضاع الاجتماعية وعلى رأسها تفاقم المستوى المعيشي للمواطنين مع اتساع الفوارق الطبقية في المجتمع.
فالبنك المركزي معني قبل أي شيء بتطبيق السياسة النقدية غير أنها كانت متشددة لكبح الأنشطة التضخمية من خلال رفع سعر الصرف الإسمي وصولا إلى سعر صرف حقيقي موجب للدينار باستخدام أدواته النقدية المتاحة وصولا إلى حالة احتواء التضخم المتولد عن ضغوطات الانفاق الكلي أو الطلب العام الناتج عن الموازنات العامة للدولة وكمية الكتلة النقدية المتاحة في السوق وكلاهما عاملان مهمان في تحقيق الطلب الكلي العام دون إهمال الاثار الناجمة عن اختلل التناسب بين الموازنتين الاستثمار والتشغيلية. وأما السياسة المالية فهي معنية بالتدفقات المالية وتوجيه الانفاق العام إلى القطاعات الإنتاجية والخدمية لكي تؤدي إلى التنمية الاقتصادية والنهوض بالمستوى المعيشي للمواطنين وانقاذهم من براثن الفقر والجهل والمرض ومظاهر الحرمان والعوز الذي لحق بهم في العقود الماضية نتيجة الفساد والهدر المالي لذلك فان التنسيق بين السياستين يرمي من بين أمور عديدة إلى ضبط إيقاع النمو الاقتصادي المنشود.
ومن البديهي أن العلاقة التناسبية بين الإنفاق الاستثماري الذي توفره الموازنة العامة للدولة والانفاق الاستهلاكي تترك أثرها المباشر على عملية التنمية الاقتصادية فزيادة الانفاق الاستثماري لا تنعكس نتائجه على بناء القاعدة التحتية فقط وانما تنعكس على تنمية القطاعات الإنتاجية المهمة المتمثلة بالصناعة التحويلية والاستراتيجية التعدينية والقطاع الزراعي وإجراءات حمايتها بغية الاحتفاظ بالعملة الصعبة المتولدة من الريوع النفطية مع ما يرافقه من خفض الانفاق الاستهلاكي في القطاعات غير المنتجة وما يرافقه من هدر مالي وفساد يضرب أطنابه في مختلف مرافق الدولة كما اظهرته الإجراءات الحالية بادلتها القطعية والتي أدت إلى تعطيل الطاقات المادية والبشرية.
وتظهر الأرقام الواردة في الموازنة الثلاثية 2023-2025 وهي في كل الأحوال أرقام تخمينية اتجاها بارزا في الافراط في الموازنة التشغيلية التي بلغت 133 تريليون دينار على حساب الموازنة الاستثمارية التي بلغت 49 تريليون دينار والتي تشكل 36 في المائة من الموازنة التشغيلية و24 في المائة من الانفاق الكلي والفارق بين الإيرادات الكلية البالغة 135 تريليون دينار والانفاق الكلي البالغ 199 تريليون يشكل عجزا مقداره 64 تريليون دينار أي ان نسب العجز إلى إجمالي الانفاق الكلي بلغت 32 في المائة وهذه النسبة تشكل فارقا مقدار 29 في المائة عن النسبة المقررة في قانون المالية والدين العام رقم 6 لسنة 2019 والبالغة 3 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي مما يتطلب اللجوء إلى الدين لسداد هذا العجز مع العلم أن إجمالي الدين العام يبلغ حسب تصريحات محافظ البنك المركزي السابق 150 مليار دولار.
إن التعامل مع الموازنة الثلاثية سالفة الذكر من قبل الحكومة السابقة، ولا ننسى فشل الحكومات السابقة ، قد انتجت خيبة أمل مفجعة للعراقيين ليس فقط فشلا في التنفيذ وإنما اتساعا غير مسبوق في عمليات سرقة أموال تلك الموازنة وهدر غير مسبوق في الإنفاق ولم تحقق الموازنة الاستثمارية أي شيء من أهدافها التنموية وكل ذلك تسبب في تحول خطير نحو مجتمع استهلاكي راهن على حساب الأجيال القادمة ودعامتها الأساسية تنامي قطاعات الإنتاج الأساسية في ظل سياسة ادخارية ضعيفة. إن تحسين الأداء الاقتصادي من خلال السياستين المالية والنقدية يتطلب ليس فقط من خلال التنسيق بينهما وإنما وهذا هو الأهم تكامل التنسيق مع كامل الجهاز الحكومي وخاصة المكلفة بتنفيذ الخطط الخمسية فضلا عن التنسيق بين المسؤولين عن تنفيذ السياستين وتغيير فلسفة الموازنة من موازنة البنود إلى موازنة البرامج.