إذا أردنا تطوير كرة القدم العراقية والنهوض بها ودفعها إلى الأمام، فعلينا أن نخطط بصورة علمية ومدروسة، وأن نراجع تجاربنا ونتائجنا بواقعية بعيداً عن المجاملات. فقد كشفت مشاركتنا الأخيرة في نهائيات كأس العالم حجم الفارق بيننا وبين المنتخبات المتقدمة، بعدما حل منتخبنا في المراكز الأخيرة، وهو ما يستدعي وقفة جادة لمراجعة واقع الكرة العراقية ومستقبلها.
وهنا أود التوقف عند مستوى منتخبنا الوطني، الذي جاءت مشاركته الثانية في نهائيات كأس العالم بعد 40 عاماً من مشاركته الأولى عام 1986. وبين المشاركتين تغيرت الكثير من المفاهيم؛ ففي المشاركة الأولى كان العراق ضمن منظومة الهواة، بينما خضنا مشاركتنا الأخيرة في ظل تطبيق الاحتراف والاستعانة بلاعبين عراقيين محترفين في الخارج، وفق لوائح الاتحادين الآسيوي والدولي.
ولهذا، فإنني أناشد الاتحاد العراقي لكرة القدم إعادة النظر في سياساته وخططه وبرامجه، ووضع استراتيجية واضحة للنهوض باللعبة، تستند إلى دراسة الواقع والاستفادة من تجارب الدول التي سبقتنا وحققت نجاحات ملموسة، فيما ما زلنا نحن نبحث عن الطريق الصحيح.
إن تطوير الكرة العراقية لا يمكن أن يتحقق بقرارات منفردة، وإنما يحتاج إلى تفاعل حقيقي مع الإعلام والخبراء والمدربين واللاعبين والمعنيين بالشأن الكروي، والاستماع إلى الملاحظات والمقترحات المختلفة، ومن ثم رسم سياسة كروية واضحة ومدروسة وقابلة للتنفيذ.
أما الاستمرار في النهج الحالي، مع بقاء الخلافات والمشكلات التي تعيق العمل، فلن يقود إلى النتائج التي نطمح إليها. ومن بين الملفات التي أرى ضرورة مراجعتها مسألة عدد اللاعبين المحترفين في الدوري العراقي، إذ إن تقليص أعدادهم يمكن أن يفسح المجال بصورة أكبر أمام اللاعب المحلي لإثبات قدراته وتطوير مستواه.
ومن هنا أقترح ألا يزيد عدد اللاعبين المحترفين في الدوري المقبل على أربعة لاعبين لكل نادٍ، بما يمنح اللاعب العراقي فرصة أكبر للمشاركة والمنافسة واكتساب الخبرة، ويجعل الأندية أكثر اهتماماً باكتشاف المواهب المحلية وتطويرها.
لقد أثبتت التجارب أن زيادة عدد المحترفين ليست بالضرورة الطريق الوحيد لرفع مستوى الدوري. فالإفراط في استقدام اللاعبين الأجانب قد يؤدي، في المقابل، إلى إغلاق الطريق أمام المواهب العراقية، ولا سيما اللاعبين الشباب، وحرمانهم من فرص المشاركة والتطور، فضلاً عن زرع الإحباط في نفوسهم عندما يجدون أنفسهم خارج حسابات أنديتهم رغم امتلاكهم القدرة على التطور والعطاء.
إن اللاعب العراقي يحتاج إلى فرصة حقيقية، والفرصة لا تأتي من خلال التدريبات وحدها، وإنما من المشاركة والمنافسة وتحمل المسؤولية داخل الملعب. وإذا أردنا بناء منتخب قوي ومستدام، فعلينا أن نبني قاعدة واسعة من اللاعبين المحليين القادرين على تمثيل المنتخب مستقبلاً.
إن تقليص عدد المحترفين ليس حلاً سحرياً لكل مشكلات الكرة العراقية، لكنه يمكن أن يكون خطوة ضمن حزمة إصلاحات ضرورية، هدفها منح أبناء الوطن وشبيبته فرصتهم الحقيقية في ممارسة كرة القدم وإثبات قدراتهم وخدمة بلدهم.
فالاستثمار الحقيقي في كرة القدم العراقية يبدأ من اللاعب العراقي، ومنحه الثقة والفرصة والدعم، لا من الاعتماد المتزايد على الحلول الجاهزة.