اخر الاخبار

إشكالية الرواتب برزت قبل سنوات حينما عرض مشروع سلم الرواتب على البرلمان وأعيد إلى الحكومة لأجراء بعض التعديلات المقترحة في السلطة التشريعية وظل هذا المشروع يتقاذفه الطرفان لكنها لم تسفر عن شيء لأسباب لا يعرفها إلا المنجمون والضالعون في علم المالية أو قد يكون هذا المشروع قد تخطى حدودا حمرا محاطا بسور عال لا يمكن تجاوزه وفي نهاية المطاف انتهى الأمر إلى تجميده ليستبدل بقوانين خاصة بكل مؤسسة. وبعد تبادل الأمريكان والإيرانيون أدوار الهيمنة على مضيق هرمز وتوقف تصدير النفط تعمقت أزمة الرواتب لتتحول إلى أزمة مالية خانقة وضعت الحكومة في حرج.

وسلم الرواتب لموظفي الدولة يعد واحدا من أكثر المواضيع جدلية الذي يمكن تناوله في هذا المجال، لعدة أسباب أولها أن موضوعة  العاملين في الوظيفة الحكومية العامة من حيث عدد العاملين في الجهاز الحكومي يربو على أكثر من أربعة ملايين موظف وأن حصة الرواتب لهذا العدد الكبير تشكل أكثر من ربع الموازنة العامة وأكثر من ثلث الموازنة التشغيلية، فإن مجموع الرواتب في موازنة عام 2023 تعادل 60 تريليون دينار تقريبا،  كما أن متوسط الراتب الشهري للموظف يبلغ 1،217 مليون دينار ما يعادل 900 دولار،  غير أن هذا الراتب الذي قد يبدو للبعض كبيرا وهو بالطبع مخادع لأن ثلثي عدد الموظفين يقع في الدرجات الدنيا، لكنه يعادل ربع متوسط الموظف القطري والاماراتي ونصف راتب الموظف السعودي والبحراني فضلا عن أنه يحتل المرتبة العاشرة عربيا والمرتبة 62 عالميا مقارنة ب 105 دولة ( مجلة CEOWORLD) الامريكية. حيث إن رئيس اللجنة المالية البرلمانية يصرح بأن سلم الرواتب يتعلق بقرار من مجلس الوزراء، فيما يشير المستشار المالي لرئيس الحكومة د. مظهر محمد صالح إلى أن سلم الرواتب مرتبط بالتوافق السياسي.

واذا نظرنا إلى أن  تغيير سلم الرواتب يعد واحدا من أدوات نظام التوزيع، فإن الرواتب الممنوحة لموظفي الدولة متفاوتة بشكل صارخ بين المستويات الدنيا في الجهاز الاداري، وبين المستويات العليا التي تتمتع برواتب عالية خارج اشتراطات قانون الخدمة المدنية النافذ، فعلى سبيل المثال أن رواتب الرئاسات الثلاث ومؤسساتها التابعة تقارب 11.5في المائة من إجمالي رواتب موظفي الدولة و3 إلى 3.5 في المائة من الحجم الكلي للنفقات التشغيلية، ولذلك يجب مراجعة منظومة الرواتب كجزء من إصلاح أوسع يأخذ بنظر الاعتبار مبادئ الكفاءة  والخبرة  ومدة الخدمة والمسئولية الوظيفية، إلا أن جل هذه الرواتب قليلة جدا ولا تتناسب مع معدلات  التضخم ومستوى الأسعار اللذين تصاعدا بشكل كبير بعد خفض قيمة الدينار ب 23 في المائة عن مستواه السابق، وزادت هذه النسبة حاليا لتصل إلى ما تزيد على 25 في المائة مقارنة بأسعار السوق الحالية بعد تعاظم سعر الصرف في السوق الموازي وهو المهيمن عمليا. وبالنظر لارتباط العدالة التوزيعية بتوليد الدخل وتوزيعه الأولي بقطاع الزراعة والصناعة التحويلية ودورهما في الناتج المحلي الاجمالي حيث لم تزد مساهمة الزراعة والصناعة التحويلية في هذا الانتاج عن سبعة في المائة من الانفاق العام الذي أظهرته الموازنة السنوية لعام 2021 فان العمل في أجهزة الدولة صار مصدرا رئيسيا للدخل الأسري.

   وبناء على ما تقدم فهناك طرق يمكن اللجوء إلى حلول عاجلة نلخصها بالاتي :

1. رفع سعر صرف الدولار من أجل زيادة كمية العملة الوطنية وصولا إلى حد يكفي لتغطية الرواتب مع ما يترتب على هذه الطريق من زيادة أسعار المستهلك وانخفاض القوة الشرائية للموظفين وخاصة ذوي الرواتب القليلة.

2.  الاقتراض الداخلي والخارجي مع أن حجم المديونية الداخلية بحسب بعض المصادر تبلغ 105 تريليون دينار وفي مصادر أخرى بلغت 216 تريليون دينار.

3. طبع العملة مقيدة بالاحتياط النقدي بالتنسيق مع البنك المركزي وفي أسوأ الأحوال طبع غير مقيد وهذه أسوأ الطرق لأنها ستسبب في رفع معدلات التضخم.

4. الانتهاء من تشريع قانون الخدمة المدنية الموحد بدون تردد ووضعه موضع التنفيذ.