اخر الاخبار

تتصاعد بين فترة وأخرى ذات الثرثرة عن الشيوعية التي "ماتت"، لأنها "فشلت في عقر دارها"، وعن اليساريين العراقيين الذين عليهم أن "يعقلوا" وينزووا بكتبهم وأحلامهم. ورغم أن هذه الادعاءات باتت مملة وسمجة لكثرة تكرارها، فإن مناقشتها بهدوء يمكن أن تبصّر الناس ببطلانها، وبما تحققه قوى اليسار من نجاحات في صراعها مع الرأسمالية المتوحشة. 

إن اليسار، الذي وُلد مع التقسيم الطبقي للمجتمع بوصفه تطلعاً وتحركاً إنسانياً نحو الحرية والعدالة، ليس له "عقر دار"، فالأرض كلها موطنه، حتى ليصعب استخلاص استنتاجات عاقلة من بضع تجاربه، ناجحة كانت أم فاشلة.

ولا يُستثنى من ذلك اليسار في العراق، الذي لم يولد هو الآخر من الفراغ، بل كان موجوداً في القيم الإنسانية للناس، متجسداً في تمردهم على الظلم وفي توقهم للحرية. وما حدث قبل قرن من الزمان لم يكن سوى تطوير لشكله وجوهره، حتمته المتغيرات الاجتماعية التي رافقت قيام الدولة الحديثة.

وطيلة عقود، لم يتبوأ هذا اليسار موقعه الطليعي في الصراع عبثاً، بل استمد دوماً ألقه من قناعة الناس ببرامجه، وثقتهم بقدرته على إنقاذهم من الاستبداد السياسي والتخلف الاجتماعي والقهر الطبقي. وتعززت مكانته دوماً بالعطاء الذي منحته له قوافل الشهداء، وفتية وصبايا، رجال ونساء، قبضوا على جمرة الصمود في أقسى المحن، ومنحوا الغد، الموقنين ببهائه، حياتهم وجهدهم وكل ما يملكون. 

واليوم، لا يكتسب هذا اليسار شعبيته ومشروعيته الوطنية من ماضيه المشرق فحسب، بل من قدرته على تشخيص معالم الأزمة البنيوية التي تمر بها البلاد ونتائجها الكارثية على قضيتي الحرية والعدالة، ومن تبنيه لهموم الناس، ومن تطلعهم إليه ليمضي بهم نحو التغيير.

فحين تغيب في البلاد الحريات، كلياً أو جزئياً، ويتراجع مؤشرها من 44 في المائة عام 2012 إلى 29 في المائة عام 2025، جراء تفشي الفساد، وضعف المؤسسات، وتدني هيبة القانون، وتحكم المال السياسي والسلاح المنفلت بالعملية السياسية؛ وحين تتدهور حرية التعبير ليصل مؤشرها إلى ما دون 29 في المائة؛

وحين تغيب العدالة، وتتمتع شرائح من الطفيليين والبيروقراطيين والكومبرادور بالسلطة والثروة، متحررة من الرقابة والمحاسبة على ما سببته من تفريط بالاستقلال والسيادة الوطنية، وتدني مستوى المعيشة، وتراجع القيمة الحقيقية للأجور، وضعف شبكة الضمان الاجتماعي، وتفاقم أزمة السكن، وارتفاع تكاليف الحصول على الحقوق الأساسية، كالتعليم والصحة والنقل والخدمات البلدية وغيرها؛

وحين يتفاقم التفاوت الطبقي ويبلغ ذروته، باستيلاء 10 في المائة من العراقيين على 54 في المائة من الدخل الوطني، تاركين لأكثر من نصف العراقيين 17 في المائة فقط منه، وحين تصل معدلات الفقر إلى 8 في المائة في كردستان،  و 14 في المائة في بغداد، و 22 في المائة في باقي البلاد؛ وحين يتمتع 10 في المائة من المجتمع بنحو ربع الاستهلاك، مقابل حصول أفقر 10 في المائة منه على 3 في المائة فقط؛

وحين يكشف معدل المشاركة في قوة العمل عن فرق جدي بين الرجال (70 في المائة) والنساء (11 في المائة)، وتكشف المعطيات عن تعرض ربع العراقيات للعنف الأسري، وعن وحصول المرأة على أقل من نصف ما يحصل عليه الرجل عن نفس العمل؛

لا يصبح اليسار خياراً، بل ضرورة وجودية، لتفرده في تأشير وإنارة مسار الخلاص من كل هذا الخراب. إنه قِوام الأمر الذي بدونه لن يبزغ فجر الحياة الكريمة، ولن يولد الغد.

أعرفتم الآن ما الذي يُبقي اليسار شامخاً وعصياً على الانكفاء!