اخر الاخبار

الشعر، الفضاء الذي تتأكد فيه إرادة الانسان من أجل التغييرالأسمى لعالم مفروض، وخلق عالم حالم يحقّق إنسانية الإنسان، إنه وسيلة تعبيرية ذات وظيفة جمالية ودلالة اجتماعية.

الشاعر مظفر النواب، لم تكن لغته الشعرية وحدها عالمه البنائي المستفزّ لاختراق بوابة العالم، بل كانت الريشة، واللون، والظل، شركاء فاعلين، متفاعلين في تشكيل رؤيته للعالم، بعمق فني مكتنز المعاني، كونه يعي بأن الجمال فعل مقاومة هادئة.

الشاعر مظفر النواب، في نصه (الماله أول ماله تالي)، يحاول أن يجسد كل ما يراه ويحسه بمنتهى الصدق الفني، مع استيعاب لتفاصيل الصورة وجزئياتها الدقيقة، لغرض إثارة المستهلك (المتلقي) عبر تماسه بها، حيث التناغم بين الفكرة والإحساس، الذي شكل أهم الخصائص الإسلوبية للشاعر، مع نصاعة الألفاظ الموحية ذات الدلالات النفسية والشعورية التي تستمد نبضها من وجودها في سياقها وتفاعلها، كون الشاعر يعي أن الشعر لا يُراد به مجرد نقل الواقع، بل غايته التأثير ونقل التجربة.

بالغلط دگیت بابه

بلیله من ذيچ‌ اللیالي

طلع لابس ثوب ململ على جلده

وبيده شدة رازقي

وقنديل نهده زغير او محلا يلالي

مدلي إيده

انطاني من ضحكاته خرده

شگد وجعني من الزغر للشيب گلبي

إلماله أول ماله تالي

فالمُنتج (الشاعر) يغوص عميقا بين ثنايا عوالم الوجود، فيكشف عن رؤية تخترق المألوف ضمن أفق أكثر رحابة واتساعاً لدراما الوجود المتواصل، إذ يعكس تجلّيات الذات المنتجة للكشف عن صيرورتها عبرألفاظ بسيطة واضحة، بعيدة عن الضبابية، فيسجّل اللحظة الحدثية بواقعية  تعانق اللهجة العامية التي تبوح بما يعتمل في النفس، فيخلق مستويات تتناغم مع مستوى الشخصية الفكري والاجتماعي، بتوظيف عدساته البصرية من أجل توثيق المشهد التراجيدي بدرامية بريئة، بتتبع خطوات الشخصية ووصف حركاتها وأفعالها وحواراتها التي لا تبتعد عن هواجسها وهي تتفاعل مع الحدث، واللغة اليومية الوثيقة الصلة بالواقع.

كون الشاعر يلجأ إلى سرد أحداث مغرقة بالغرابة في ثنايا أحداث مغرقة في واقعيتها، فتبدو وكأنها جزء من واقع الشخصية، أسلوبا وبناءً،  في بعض المشاهد المستفزة لذهنية المستهلك (المتلقي)، مع توتر درامي منبثق من الفعل الحركي للشخصية، إضافة إلى توظيفه المثل الشعبي وتحويله إلى مكوّن عضوي من مكونات النص الشعري، كي يسهم في اتّساع فضاءاته نتيجة تعددّ زوايا الرؤيا الشعرية: (الماله أول ماله تالي).

گتله وآنه اعتذر

غَلطَتْني بابك          

الله يسترلك شبابك        

ضحك ...سد الباب

شحچیلك ...

صدگ سواني خرده

بليله من ذيچ اللیالي

فالمُنتج (الشاعر) يستند في نصّه على كلامية تلقائية وآليات تواصل ذهنية (التأمل/الحب/الحلم..) فيبني نصّاً شعرياً قوامه الفكر الوجداني، إذ الحوار بين الذات الواعية والذات المتخفّية وراء قناعها اللفظي، فينسج نصاً شعرياً من التداعيات الكاشفة عن علاقة الشاعر بالمكان، فتشكّل بعداً وجودياً يشغل حيّزه، فيضع الذات في ذروة المتخيّل الممتدّ الأبعاد والمفتوح على آفاق غير محدودة، فيعلن عن قدرته الاستثنائية التي تسهم في تحويل الكلمات إلى مشاهد حسية نابضة بالحياة، ناقلاً عوالمه من التقريريّة والمباشرة إلى فضاءات رمزية عميقة الدلالة. وبذلك قدم المُنتج (الشاعر) نصاً يعكس ما فيه من حكمة ووجع، فضلاً عن تماهيه والمحيط البيئي من جهة، والشخصية وسرد الاحداث من جهة اخرى.

فائدة

المُنتج (الشاعر) يوظف أسلوب التكرارالدائري (الماله أول ماله تالي) كتقنية فنية شكّلت لازمة النص، فأضفت على جسده موسقة مضافة.