الخطاب الشعبي الشعري المعاصر يمثل الذاكرة الحية للموروث، الذي يتجلى في تجربة شعراء الحداثة، ويأتي في مقدمتهم مظفر النواب، بوصفه ظاهرة استثنائية مجددة، ربطت النص بالهمّ الجمعي المجتمعي، من خلال توظيف اللغة اليومية البسيطة، والرموز السياسية والاجتماعية المباشرة، والسخرية المرة التي تعكس معاناة الواقع بأسلوب فكري وجمالي.
لابد يردون باجر
سوي نفسك ما
شفتهم
بالك يحسون انته
تذكرتهم
اثكل شويه يكلبي
مره خليهم محطة
وانت سافر
انت والدخان
صبرك والمطر
ادري بيك تريد
تبجي
ابجي وحدك وانه
ساكت
فالشاعر يعتمد الموجودات والأشياء لتجسيد المعنى، وتعزيز قوة الرؤيا للكشف عن الخصوبة الشعرية، التي هي طاقة تخيلية خلاقة في جوهرها، من خلال التمازج بين الحسي والذهني، بتشكيل بصري وحركة الذات وتحولاتها الشعورية. إضافة إلى ذلك، يتبنى الشاعر الأسلوب الشعري المتدفق، عبر ومض شعري منساب، بإيحائية ظلاله المكثفة ودلالاته ومفرداته المشحونة بطاقاتها التعبيرية.
بس احلفك يا كلب
يكبير لا ينخطف لونك لو شفتهم
سلم بسرعه ولون
نشدوك تعرف واحد يكص التذاكر
كلهم الشباج كص الكم شهر
فالنص يتميز بنزعة سردية موجزة، ومقصدية رامزة، فضلًا عن التزامه بالاقتضاب وتجنبه الوصف والمبالغة في الإسهاب، مع إغناء بالإيحاء والرمز والانسياب والتدفق، على حد تعبير غالي شكري.
فالنص الشعري عند الشاعر كائن يجيد التعرّي خلف الذاكرة، ليهب الشعرية سخونةً وهو يغوص في أعماق اللغة وإيقاعاتها، والصور وتفجيراتها، متوخيًا إشراك المتلقي في رؤيته التي تعتمد منظورًا متكئًا على ممكنات التخيّل، الذي يحقق الاقتران بين المشهد الصوري والحالة النفسية.
فاللحظة الشعرية الفنية عند الشاعر هي لحظة توهّج عالية الكثافة، مثيرة للدهشة بما تخفيه من اتصال بالماورائيات. إنها حضور ذهني وسيكولوجي، لذا فهي لحظة إبداع، من خلال توحيدها بين الموجودات والزمن، فضلًا عن نمو الحدث الشعري بشكل تصاعدي، مشحونًا بطاقات مكثفة الدلالة، وهو يكشف عن تمرد ذاتي على التشرنق في فضاء المألوف.
ويقف الشاعر بشعريته عند بوابات الوجد، كاشفًا عن ماهيته، وساعيًا إلى الانفلات والتجاوز، باشتراطاته الفنية المتمثلة في التكثيف، والإيجاز، والاقتصاد اللغوي، والوحدة الموضوعية، والضربة الأسلوبية الإدهاشية (المفارقة)، ليحقق الوصول إلى مغامرة المعنى والتأويل، باعتماد المعاني المجازية لتوكيد الإيحاءات المعمقة.