اخر الاخبار

احتل مفهوم الدولة، كأداة للتحكم بعلاقات القوة في المجتمع، موقعاً رئيسياً في حوارات اليسار حول الحرية والعدالة الاجتماعية، إذ وجدها ماركس جزءاً من البنية الفوقية وأداة بيد الطبقة المهيمنة، وأن الخلاص من دورها في إدارة الأشياء وتحكمها بالأنسان شرط لاستعادته آدميته. وفيما رسم خارطة طريق توصل البشرية لذلك عبر إلغاء الملكية الخاصة التي ولد عنها العمل المأجور وتحويلها لملكية جماعية تختفي في ظلها الطبقات والدولة، جاء لينين بتفاؤل أقل، حين رأى أن الانتقال إلى الاشتراكية لا يتم بمجرد تغيير الملكية، فالطبقات القديمة لاتختفي مباشرة، مما يستلزم سيطرة الشغيلة على الدولة في مرحلة انتقالية تسودها الديمقراطية وتفضي للمجتمع اللاطبقي. لكن التاريخ لم يمنح هذه التصورات فرصةً للاختبار. فقد انهارت التجربة، مخلّفة أسئلةً صعبة تتطلب إجابات دقيقة.

بشكل عام، مازالت أغلبية أطياف اليسار لا ترى الدولة مستقلة ولا محايدة، بل أداة مباشرة بيد الطبقة المهيمنة، التي تنجح في فرض نفسها على الحكومة والبرلمان والجيش والقضاء والمؤسسات الدينية والإعلامية وغيرها، مما يؤدي إلى تغييب المساواة، ليس في توزيع الثروة فحسب، بل في تكافؤ الفرص، ويفضح الوهم الذي يحاول الليبراليون تسويقه من أن الدولة ميدان للتنافس الحر بين النخب.   

ولأنهم يمتلكون مؤسسات الإنتاج المادي والفكري والأدوات التي تتحكم بالوعي وتشرعن الرأسمالية وتخفي الاستغلال، تتمكن هذه النخب من استخدام الدولة لحماية مصالحها، وإيهام الجماهير بأنه لا يمكن وجود حياة أفضل مما يوفره اقتصاد السوق، ولا تتورع عن التحول للإستبداد المباشر حين تصبح الشغيلة قادرة على تحقيق مشروعها في بناء نظام اجتماعي ديمقراطي ومجتمع حر للرجال والنساء، يحول الدولة من جهاز مفروض على المجتمع إلى جهاز تابع له تماماً. 

غير أن هناك يساريين يرون الدولة الحديثة شبكةٌ معقدة من المؤسسات والقوانين والمصالح، تتمتع باستقلال نسبي عن مختلف الطبقات، ولا تحكمها طبقة واحدة بصورة ميكانيكية، مشددين على عدم إنكار مكاسب الديمقراطية ودولة الرفاه، وربما الاكتفاء بالحفاظ عليها.

أما الطيف الثالث من اليسار، الذي يعترف بهذه المكتسبات بوصفها ثمار نضالات اجتماعية وطبقية، لا يرى في الاستقلالية النسبية للدولة دليلاً على حيادها، لأن الطبقات المهيمنة تبقى متمتعة بالنفوذ الأعظم على توزيع الثروة واتخاذ القرارات والإعلام والثقافة والتعليم، بما يسمح لها بإعادة إنتاج امتيازاتها، وإدارة التناقضات الطبقية والحفاظ على استمرارية النظام الرأسمالي.

وتؤكد هذه الأطياف أن الليبرالية، التي تحاصر الوعي بالبنية الاجتماعية وتحجّمه وتخفي دور علاقات الإنتاج في خلق التفاوت الطبقي وإعادة إنتاجه، تجهد نفسها في تقديم الدولة كياناً خارج المجتمع، وليس انعكاسًا آليًا لعلاقات الإنتاج، فيما لا يوفر استقلالها النسبي القدرة على خلاصها من دائرة التأثير في المجتمع والتأثر به. وبالتالي، لا يمكن تغييرها بمجرد السيطرة على أجهزتها، بل عبر تغيير علاقات القوة داخل مؤسساتها وفي المجتمع معًا.

كما يرى هؤلاء إن إعادة صياغة مفهوم الدولة لا تعني التخلي عن التحليل الطبقي، بل لجعله أكثر قدرةً على فهم الواقع. كما أن التحرر الحقيقي لا يبدأ حين يستولي المقهورون بقيادة اليسار على الدولة، بل حين يتم تغيير الشروط الاجتماعية بما ينهي الحاجة للقهر ويحرر الإنسان من الخضوع لقوةٍ منفصلة عنه كي يعيش بسلام.

واخيراً، يستمر حوار التجديد في اشهار الأسئلة: أي دولة نريد؟ وكيف يتم انتقال السلطة؟ وكيف نمنع تحول الدولة إلى قوة مستقلة عن المجتمع؟ وكيف نوفق بين الحرية الفردية والمصلحة الجماعية؟ وكيف نبني آليات التخطيط والرقابة والمحاسبة بعيداً عن البيروقراطية؟