اخر الاخبار

لم يتفرد القائد اليساري خوسيه موخيكا، برئاسة غير تقليدية لجمهورية الأورغواي فحسب، بل وأيضاً بمئات الحكايات والمواقف والسلوكيات الحياتية التي جعلته مثالاً تُستلهم منه العبر. ولعل من أبرز ذلك ما عكسته عنه مجموعة الأفلام واللقاءات التي صُنعت وسُجلت له، ولاسيما الحوارات الممتعة التي أعدها وأخرجها الفنان الصربي الشهير إمير كوستوريكا. 

في هذه الحوارات، التي يشترك فيها قدامى نشطاء حركة التحرر الوطني (هويدوبرو، وروزنكوف، ولوسيا توبولانسكي)، تُستعاد مقولة لينين عن حاجة الحركة لمناضلين يمنحونها كل وقتهم، لا وقت فراغهم فقط. إذ يرى هؤلاء، وعلى ضوء تجاربهم، أن الوعي السياسي والسلوك الاجتماعي، بوصفهما ثماراً طبيعية لموقع الإنسان في التشكيلة الاجتماعية، يحددان دوره في الصراع الطبقي وفهم مجرياته، وقدرته على التطهر من أدران الاستغلال قبل أن ينخرط في الكفاح دفاعاً عن مصالح المستغلين، ويصبح منسجماً مع طبقة لا تفقد في المعركة سوى أغلالها. ويضحك موخيكا وهو يشير لرفاقه بأنهم يعرفون كل سجون الأورغواي، بكل زنانينها وأقبية التعذيب فيها. وحين يسأله محاوره عن كيفية صموده في سجن انفرادي لمدة 13 عاماً، يبتسم ممتدحاً هذا العذاب لأن سنوات السجن، رغم قسوتها، جعلته يعيد النظر في نفسه، "فلو لم أعش تلك السنوات من العزلة العميقة، لكنت اليوم أكثر سطحية، وأقل صبراً وحكمة. أحياناً يكون للسوء منفعة"!

ويتمسك موخيكا ورفاقه بدعوة غرامشي إلى أن تكون الحركة مصنعاً لتكوين المثقفين السياسيين المؤهلين، والقادة والمنظمين، ولإعداد المثقفين العضويين، مع رعاية الكفاءة الفردية والتنوع الفكري، فضلاً عن قناعتهم بوصف روزا لوكسمبورغ للكادر الجيد بأنه الأكثر وعياً بما يبتغيه الحزب، والأقدر على التفكير والنقد وتحمل المسؤولية والالتزام الجماعي بالقرارات التي يشارك في مناقشتها، فالحرية عندهم ليست مجرد حق سياسي بل الطريق الأرحب الذي سلكوه كي يبدعوا في مهامهم.

وفي شهادتهم على ذلك لايرتضون بتقليد مافعلوه في التكوين الفكري النقدي للمناضلين، فالماركسية المعاصرة لم تعد مجموعة من النصوص المقدسة أو الإجابات النهائية، بل منهجاً لتحليل المجتمع وعلاقات الإنتاج والسلطة والتفاوت الاجتماعي. والكادر الجيد اليوم ليس من يحفظ المصطلحات، بل من يستطيع أن يطرح الأسئلة الصحيحة ويبحث عن إجاباتها.

وكان هناك مكان لرأي لوكاتش في أن قوة الحركة تصبح ذات معنى، فقط حين تتفاعل كوادرها، المعروفة بنزاهتها ورقي سلوكها الاجتماعي، مع الطبقة والجماهير والمسار التاريخي، فهذا التفاعل في رأي موخيكا وصحبه هو ما يمنح الحركة بعدها الأخلاقي الذي يبرر ثقة الشغيلة بها. ولكي يتمتع الكادر بالقدرة على تحليل قوى الإنتاج وعلاقاته وبنية الاقتصاد، وكيفية انعكاسها في السياسة والأيديولوجيا والثقافة والتنظيمات الاجتماعية، لابد من أن يصبح قادراً على الإبحار بمجذافين، معرفة نظرية وممارسة عملية.

في كتابهم (مذكرات الزنزانة) يذكر شيوخ اليسار الأورغواني هؤلاء، إن عملية بناء الكادر ينبغي أن تكون متواصلة ودورية، وذات اوجه متعددة، تشمل القراءة والنقاش، والبحث الميداني، ومراجعة التجربة، وتقييم الأخطاء، وتبادل الخبرات بين الأجيال. فقد تحتاج الحركة أحياناً إلى كادر يحافظ على الهوية السياسية تحت القمع، ويعيد بناء الذات الفكرية بعد تجربة الهزيمة. كما قد تحتاج في فترة أخرى لكادر قادر على تحويل التجربة التاريخية إلى معرفة وذاكرة تتعلم منها أجيال لاحقة.

ويشيرون أخيراً إلى إن الجماعة لا تكبر بعدد أفرادها، بل بمقدار ما تصنعه في أفرادها؛ فالكادر المعد بنجاح يصبح قوةً للحركة، ومن أُسيء إعداده قد يصبح ضعفاً لها، وقديماً قيل لا تقد الناس قبل أن تتقن فن قيادة ذاتك.