اخر الاخبار

كلما اقتربت ساعات الحسم في ملفات حساسة ومهمة، برزت ضرورة تحقيق اجماع وطني بشأنها، او الاقتراب من ذلك، بما يؤمّن وحدة القرار وسلاسة اتخاذه وتطبيقه. وكما اشرنا في المقال السابق، فالقرار يحتاج الى ركيزتين أساسيتين، الأولى هي توفر إرادة اتخاذ القرارات،   خاصة ذات البعد الوطني والتي تترك تأثيرها على مجمل أوضاع البلد ومواطنيه، والثانية هي الامكانية الفعلية لتطبيقه .

فوحدة القرار الوطني في قضايا عامة واساسية تخص البلد، وتوسيع المشاركة في اتخاذه واضفاء الطابع العام عليه، أمران مطلوبان في ظروف معينة لتمكين الدولة من حماية سيادتها ومصالح شعبها. وهذا في تقديرنا لا يتقاطع مع مسالة الاختلاف والتعارض والتظاهر والاحتجاج، وصولا الى توجيه الدعوات وحشد القوى من اجل تغيير نهج الحكم وفرض بديل لمنظومة السلطة.

وهذا يخص بنحو واضح القضايا الوطنية العامة، بما يحول أولا دون تعدد مراكز القرار الوطني ويضمن وحدته، ويضفي عليه ثانيا القوة والشمول بما يتيح نجاعة تنفيذه وتحقيق غايته.

الامر هنا في ظرفنا العراقي الملموس، يتعلق بملفات حساسة وذات أهمية فائقة، وهي موضوع السيادة واستقلالية القرار الوطني العراقي، وملف احتكار الدولة للعنف والا يكون أي سلاح مهما كان خارج مؤسسات الدولة الدستورية وان يحصر بها. والآخر حملة مكافحة الفساد لتأخذ بعدها الشامل الذي لا يستثني أحدا، وتتضمن الملفات جميعا مهما صغرت او كبرت، وبغض النظر عن أسماء المسؤولين عنها ومواقعهم السياسية والاجتماعية والدينية والوظيفية.

وهذه الملفات وغيرها ليست بنت اليوم، ولذا كانت القوى والشخصيات الوطنية والديمقراطية تطالب باتخاذ خطوات وإجراءات ملموسة ومتسقة للمعالجة، لما لها من تاثير كبير على امن البلد واستقراره وحماية مواطنيه وتامين ظروف افضل لهم ، كذلك له صله بإمكانية تطبيق القانون على الجميع .

ولا شك أيضا في الأهمية الكبيرة لمسالة الامن والسلاح واحتكار الدولة لهما. فالحديث عن إمكانية امتلاك الدولة قرارا وطنيا موحدا، لا يتسق مع بقاء السلاح المنفلت وتعدد الكيانات  ذات الصلة بقضايا الحرب والسلم، التي تهم البلد والشعب بأكمله وليست حكرا على جماعات معينة. وكل حديث بعكس ذلك هو خروج على الدستور، الذي حسم الامر عندما نص على خضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وجعل وضع وتنفيذ سياسات الامن الوطني والمؤسسات ذات العلاقة ضمن اختصاصات   الجهات المخولة بذلك، كما حظر تشكيل مليشيات مسلحة خارج اطار القوات المسلحة الرسمية المعرفة دستوريا.

وهذا يعني ان قضية السلاح ليست مسالة تقنية بحتة، وانما هي قضية سياسية ودستورية تتعلق بمن يمتلك القرار الوطني السيادي في البلد، ووحدة القرار الأمني والعسكري. فالسلاح يجب ان يكون خاضعا للقانون وللسلطة الدستورية المخولة بذلك، وهذا يقود الى قضية أخرى مرتبطة بها، تتعلق بالجهة المسؤولة التي يمكن متابعتها ومساءلتها عن استخدامه. فالحديث هنا يدور عن مأسسة الدولة ووحدة قرارها.

كما ان شروط وحدة القرار الوطني العراقي تفرض انهاء المحاصصة الطائفية والاثنية، وابعاد مؤسسات الدولة عن التحاصص وتقاسم النفوذ، بما يضعف اتخاذ الموقف العام ويعرضه للتعطيل والمساومات وضياع المسؤوليات.

ويمتد الامر حتى الى السياسة الخارجية وعلاقات البلد مع دول العالم المختلفة، التي ينبغي ان يتخذ بشأنها قرار دولة، وإخضاع ذلك الى المصلحة الوطنية العامة.

لذا فان وحدة القرار الوطني ترتبط على نحو وثيق بمشروع بناء الدولة، فلا يمكن بناء دولة مؤسسات وقانون من دون توحيد القرار الأمني، والتخلي نهائيا عن تعدد المراكز فيه. وهذا من العوامل الأساسية للانتقال من دولة تتجاذبها مراكز النفوذ، الى أخرى تمتلك قرارها الوطني وتحمي سيادتها وتتحمل المسؤولية عن قراراتها امام الشعب.