تحل هذه الأيام الذكرى السنوية السابعة لانتفاضة تشرين ٢٠١٩ المجيدة، التي مثلت لحظة انفجار الغضب الشعبي العام المتراكم، تطلعا لتحقيق أهداف كبيرة جسّدها شعار "نريد وطن"، بكل ما يحمله من معان كبيرة وتطلع الى دولة مختلفة تقوم على المواطنة والعدالة والديمقراطية الحقة وتكافؤ الفرص.
انتفاضة تشرين بجبروتها وعنفوانها ومجدها وتضحياتها وشهدائها، وهبة العراقيين فيها سيما الشباب، هي ليست محطة عابرة للاستذكار، بل مثلت فاصلا زمنيا زاخرا بالعبر والدروس يجب التوقف عندها، ليس للتغني بها، وهي تستحق ذلك، بقدر ما تكون زادا الى عمل بناء تراكمي، يعيد ألقها في ظروف مستجدة ملموسة. وفي كل الأحوال يبقى التطلع قائما الى وطن آخر يستحقه العراقيون يعوضهم عن السنوات العجاف التي مروا ويمرون بها، ويعيشون كل يوم مآسيها وكوارثها.
اندلعت الانتفاضة وهي غير منعزلة عن سنوات من العمل التراكمي والاحتجاجات المتعددة منذ شباط ٢٠١١، لكنها لها طعمها ومذاقها الخاص، فهي انتفاضة العراقيين، غالبيتهم وجلّهم مقابل منظومة حاكمة صادرت كل شيء واحتكرته لمصالحها ونفوذها وهيمنتها.
فالانتفاضة وهي حظيت بهذا الدعم الشعبي الواسع، ودفعت المتنفذين الى جحورهم، لها فضل كبير في نقل الاحتجاج من مستوى المطالب اليومية والخدمية الى شعارات وطنية لها صلة ببناء دولة المواطنة، والارتقاء بالوعي الجمعي الى القناعة بأن بناء وطن بلا محاصصة طائفية او إثنية ممكن، وأن الانتماء الطائفي أو القومي ليس هو المعيار في كفاءة الشخص ونزاهته ووطنيته.
واظهرت تشرين طاقات هائلة لشباب العراق وهو يجترح المآثر، ويقدم على التنظيم والمبادرة والاستعداد الكبير للتضحية د، مثلما برز على نحو مكلل بالفخر دور المرأة في مختلف المجالات والنواحي التي مست الحاجة إليها لإدامة لهيب الانتفاضة الذي كاد ان يحرق المنظومة بكاملها، لولا ثغرات وعوائل عدة حالت دون ان يتحقق هذا الحلم – الأمل، ومن ذلك، وهذا ما ظهر بوضوح، في مجرى الانتفاضة، بان المنظومة المتسلطة المنتفعة لا تفرط بمصالحها وهي على استعداد تام لإغراق البلاد بالدماء دفاعا عن ذلك وتمسكا به، وهذا ما بينته التصريحات الأخيرة للمتباهين بانهم قتلوا عمدا مئات الشهداء، في تزوير كبير للحقائق والخلط العمد بين مصالحهم الذاتية الانانية، وبين الدفاع عن الدولة التي على أيديهم لم يبق منها شيء سوى اسمها!
ولعل من الدروس الغنية للانتفاضة انها بينت على نحو جلي، وارتباطا بطبيعة القوى المتنفذة والمهيمنة، وتركيبتها، بانه يصعب بمكان التصور بأنها يمكن ان تقدم على فعل إصلاحي جدي، والرهان على ذلك يبدو بعيدا بشكل كلي عن واقع الحال. فالمعطيات الملموسة والتجربة على مدار ٢٣ سنة تقول بان التغيير الحقيقي لا يأتي ممن استمرأ المحاصصة ، البقرة الحلوب له ، بل هو يحتاج الى ضغط وعمل منتظم سياسي واجتماعي متواصل ، وبناء حركة شعبية وطنية ديمقراطية مرصوصة البنيان، قادرة على تحويل حالة السخط والتذمر العام والمطالب المشروعة الى مشروع سياسي للتغيير، وهذا يفرض عملية الارتقاء بالوعي، والادراك بان معالجة البطالة والفقر والخدمات والتوظيف وغيرها ليست بمعزل عن طبيعة المنظومة وتوجهاتها ونهجها، سواء على الصعيد السياسي او الاقتصادي – الاجتماعي، وعليه يتوحب ان توجه الجهود الموحدة المتكاتفة للخلاص منها وتدشين مسار التغيير المنشود،
ومن هنا فإن الوفاء لتشرين يفترض ان لا يكون بتحويلها الى مناسبة للاستذكار فقط، بل في تحويل ما رفعته من شعارات واهداف الى مشروع سياسي شامل لإنهاء المحاصصة وإقامة نظام سياسي اكثر عدالة وقدرة على الاستجابة لحاجات العراقيين ومصالحهم. وهذا يفترض ان يكون في صلب العمل اليومي للقوى الجادة والمتطلعة بثبات الى التغيير الحقيقي.