اخر الاخبار

يبقى موضوع (مثقفو الداخل والخارج) مثارَ جدلٍ محتدمٍ في العراق على مدى سنوات رغم التغيرات السياسية المتلاحقة، في الوقت الذي هاجرت فيه الثقافة العراقية طغيان البلد منذ عقود، وعُدت ثقافة مجابهة - بحسب الكاتب شاكر الأنباري (لكونها تحتمي بالمسافات من التعسف والقتل والملاحقة، لكنها بدأت تفقد مصداقيتها بعد التغيير، وهذا ما يُلمس في الهمس الصحافي، والحوارات الجانبية بين المثقفين، بحجة إن لم يشاركونا اليوم ما نعيش من ظروف قاسية فمتى يشاركونا إذن في بناء البلد؟ بل أصبحت معارضة نظام زال لم تعد خبزا مقنعا للكثيرين في الداخل، كما لم تعد عربونا لقبول المادة الإبداعية..).

وقد يعود سبب هذا اللغط لصعوبة تفهم أو قبول الآخر من قبلنا عموما. فما زالت هذه المشكلة قائمة وحادة بعد 23 سنة من التغيير، في حين تجاوزتها شعوب أخرى بحسب رأي الفنانة الدكتورة إيمان خضير المغتربة سابقا والتي عادت مباشرة بعد التغيير، مضيفة أنه على العكس منا تجاوز اللبنانيون هذه القضية منذ زمن هجرة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وغيرهما من رواد المهجر في أعوام 1880- 1890، بل وأشاعوا مقولة تذكر (إنهم شرّقوا الغرب وغرَّبوا الشرق) دلالة استفادتهم من الثقافة الغربية وتحسينهم للغة العربية كلغة متوسطة، حتى إنهم حوربوا في وقتها من قبل مصطفى العقاد، في حين اتفق معهم طه حسين المتنور الذي رد على العقاد بالقول (اللغة ليست عرضك مثلا بل تتطور مثل أي شيء آخر). وحتى اليوم يحتفل اللبنانيون ويفتخرون بمثقفيهم في الخارج حتى من الذين لا يكتبون بالعربية مثل الكاتب أمين معلوف الذي يعيش في فرنسا ويكتب بالفرنسية.

وما حدث للفنانين الشَوَام بعد التغيير، لافت للنظر. فقد حسبوا الإنتاج الفني تجاريا قبل كل شيء وأن عملهم جماعي ولا يتمكن أي منهم من إنتاج أو تمثيل مسلسل درامي أو مسرحية بمفرده، فاستعانوا بدول أخرى مدت لهم يد المساعدة في جمع المعارضة والموالين معا في أعمال فنية مشتركة، متجاوزين خلافاتهم .

ما شاهدناه أخيرا من تألق للفنانة أصالة نصري في حفلها البهيج في دمشق خير دليل. إذ اعتُبرت عودتها برأيي، فرحة وطن وتبشيرا بالسلام وتجاوزا للألم والصعاب.

حاليا نشهد بادرة لطيفة من قبل مهرجان بابل للثقافات الذي سيقام في الفترة من 9 إلى 18 من الشهر الحالي، باستضافة عدد كبير من المثقفين والفنانين العراقيين والعرب والأجانب. حيث سيستضيف فناننا التشكيلي الكبير فيصل لعيبي بعد غيبة طويلة. نتمنى الاحتفاء به بما يليق بمكانته النضالية والفنية من قبل جمعية التشكيليين وكل المعنيين، بما يعد بادرة مهمة لتغيير اللغط الدائر بين مثقفي الداخل والخارج.