اخر الاخبار

أمست إشكالية الاستثمار في الاقتصاد العراقي أطروحة كثيرة التكرار في الأروقة الحكومية وفي وسائل الإعلام وغالبا ما يجري اجترارها مع كل أزمة اقتصادية أو غياب المنجز الاقتصادي للحكومات العراقية المتعاقبة التي تعلقها دائما أما على الإرهاب أو الأزمات العالمية، وغالبا ما ترتبط هذه الأزمات بأزمة الريع النفطي الناتجة عن انخفاض أسعار البترول، ومع تدوير هذه الأزمات تعيد دوائر صنع القرار في بلادنا الحديث عن ضرورة إصلاح الوضع الاقتصادي.

لقد كانت أولى بوادر الاهتمام بالاستثمار، صدور قانون الاستثمار رقم 13 لعام 2006 والذي استهدف تشكيل الهيئة الوطنية للاستثمار وفروعها وتنشيط الاستثمارات المحلية واجتذاب الاستثمارات الأجنبية مع إدراك أن الجزء الأكبر من أصحاب رؤوس الأموال هاجروا إلى دول المنطقة وخاصة الأردن ومصر، وفي الأردن احتلت المراكز الأولى في قطاعي الزراعة والعقارات. ومع مستجدات الظروف وتشكل أوضاع تتسم بالاستقرار النسبي فقد أجريت جملة من التعديلات على القانون رقم 13 بتعديل نظام الاستثمار رقم 8 لسنة 2024 المتضمن الكثير من المغريات التي كان من المؤمل أن تحفز عملية الاستثمار، غير أن هذه التعديلات تبقى ضعيفة في مفاعيلها ما لم تتم إزالة العديد من الظواهر والعقبات ومنها عمليات الابتزاز وآليات التنفيذ التي ما زالت تحتفظ بتعقيداتها وروتينها القديم.

ويبقى الاستثمار أمام مفترق طرق وخصوصا أن هذا الملف ما زال يعاني من قصور في الموقف القانوني للمشاريع الاستثمارية المتلكئة والتي تتطلب إعادتها للخدمة، ومن الجدير بالذكر أن وزارة التخطيط أشارت إلى وجود 9 آلاف مشروع متلكئ أنجزت منها بحدود 3 آلاف وبقيت أمام الدولة 6 آلاف مشروع تتطلب إعادتها إلى الخدمة مما تقتضي معالجة الثغرات التشريعية والارتباك في البيئة القانونية الحالية، لهذا فإن البلاد تبقى بحاجة إلى استثمار تنموي حقيقي يبتعد عن الأنماط الاستهلاكية بهدف توظيف الاستثمار الحقيقي والفعال لأجل  استكمال المشاريع المتوقفة  والانطلاق إلى عملية تنموية تحسن البيئة الاستثمارية لدفع هذه العملية بخطوات أسرع  وابعد مدى، وهذا يستدعي بين أمور عدة تنشيط دور القضاء في معالجة المشاريع  المحالة رسميا إلى القضاء مع توجه قسم آخر من المستثمرين إلى هيئات الاستثمار والجهات ذات العلاقة لتلافي المشكلات الي أدت إلى تعثر هذه المشاريع وتسوية الإشكاليات بينها واستئناف العمل لإنجازها وفق التسويات التي يتم التوصل إليها من النواحي المالية والإدارية دون ان يتعارض ذلك مع الحاجة لاستثمارات ورؤوس أموال جديدة وفسح المجال أمام دخول شركات عالمية ومحلية شريطة أن تتوافر لديها شروط القدرة المالية  والخبرة لغرض تحريك النشاط الاقتصادي واستثمار فعال للفرص الاستثمارية المتاحة التي تحتاجها البلاد خلال المرحلة المقبلة لإدامة عملية التنمية وتشغيل الايدي العاملة المحلية عبر توفير فرص واسعة للشباب. إن متطلبات اجتذاب الشركات الاستثمارية تنشأ في الوقت الذي تفقد الدولة جزءا من إيراداتها التي تصبح غير مكافئة  للمصاريف التشغيلية في وقت تعاني البلاد من زمة مالية مركبة وتعتمد على مستويات دخول محدودة كعوامل أساسية تجعل الاستثمار ضرورة لجلب رؤوس أموال جديدة وتفادي الأزمات المالية المتكررة والحاجة إلى قوانين استثمار شاملة تغطي القطاعات الاقتصادية وتتناسب مع طبيعتها الإنتاجية.

وإضافة لما تقدم فان الضرورة تقتضي التدقيق في ملف الاستثمار السكني واشتراط نسب انجاز عالية في حال بيع الوحدات السكنية بعد حسم سندات الملكية للشقق السكنية وتوفير سندات مستقلة للمشترين مع الأخذ بالاعتبار دور أجهزة التقييس والسيطرة النوعية في متابعة مواصفات ألبناء وجودة المواد المستخدمة في المنشآت الحديثة.

ومن الأسس اللازمة في النماذج الاستثمارية الحالية التحول نحو الاستثمار الانتاجي  والتصنيعي في الثروات الطبيعية  كالكبريت  والفوسفات  والبوتاسيوم  والمواد المعدنية التي تتجاوز35 مادة التي تحتاج إلى سلسلة استثمارية متصاعدة تمنع تصديرها كخام  وتستخرج منها مشتقات ذات قيمة مضافة عالية. مما تقدم فان مواجهة التحديات التي تعيق  الاستثمار يستلزم اعتماد الشفافية  التامة في التعاقدات الحكومية  مع الشركات الاستثمارية وفقا للقواعد  المقررة وإبعاد الفاسدين عنها حفاظا على المال العام.