في ظل النمو السكاني المتسارع الذي يشهده العراق، يواجه القطاع الصحي ضغوطاً متزايدة كشفت عن فجوة واضحة بين حجم السكان الحالي والقدرة الاستيعابية للبنية التحتية الصحية، التي بُني معظمها في مراحل سابقة لخدمة أعداد أقل بكثير. وبينما تتزايد أعداد الشباب وخريجي التخصصات الطبية، تتعاظم التحديات المرتبطة بنقص المرافق الصحية، وعدم التوازن الجغرافي في توزيع الخدمات، ما يطرح تساؤلات جدية حول جاهزية النظام الصحي لمواكبة التحولات الديموغرافية.
استراتيجية اقتصادية!
من جهته، يقول المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء د. مظهر محمد صالح، إن الحكومة تعمل على مواجهة التحديات الصحية ضمن استراتيجية اقتصادية متكاملة في إطار البرنامج الحكومي ورؤية العراق 2050.
ويضيف صالح في حديث لـ"طريق الشعب" أن الخطة تشمل تعزيز الاستثمار في البنية التحتية الصحية، من خلال بناء مستشفيات ومراكز طبية جديدة في المناطق المكتظة بالسكان، إلى جانب إدخال التحول الرقمي لربط السجلات الطبية بالمرافق الصحية، ما يتيح تحديد الاحتياجات بدقة وتحسين استخدام الموارد.
وتتضمن الاستراتيجية أيضاً، بحسب صالح، توزيع الكوادر الصحية بشكل متوازن للتقليل من الفوارق الجغرافية، وضمان وصول الجميع إلى الخدمات الطبية عبر برنامج التأمين الصحي الوطني وبرامج دعم الأسر محدودة الدخل.
وأوضح صالح أن الهدف من هذه السياسات هو تحقيق توازن بين النمو السكاني وقدرة القطاع الصحي، مع التركيز على صحة الشباب وتأهيلهم لضمان تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.
الواقع الصحي!
يشير دكتور اختصاص، سرمد عامر أحمد، وباحث في السياسات الصحية، إلى أن العراق يواجه اليوم ضغوطاً متزايدة على قطاعه الصحي، نتيجة زيادة عدد السكان، حيث لم تعد البنية التحتية الحالية قادرة على تلبية الطلب المتزايد على الخدمات الطبية.
ويضيف في تعليق لـ"طريق الشعب" أن أغلب المستشفيات والمراكز الصحية تم بناؤها في فترات سابقة، عندما كان عدد السكان أقل بكثير، ما يجعلها غير متوافقة مع الحجم السكاني الحالي، ويؤدي إلى ازدحام دائم وتأخير في تقديم الخدمات.
ويؤكد أحمد، أن التحدي لا يقتصر على نقص الكوادر، بل يشمل عدم قدرة البنية التحتية على استيعاب العدد الكبير من خريجي التخصصات الطبية الذين يدخلون السوق سنوياً، ما يضع العراق أمام ازدواجية التحدي فائض من الكوادر ونقص في مرافق الرعاية الصحية.
ويبين أن التفاوت الجغرافي في توزيع الموارد البشرية يفاقم المشكلة، حيث تتركز معظم الكوادر في المدن الكبرى، بينما تعاني المناطق الريفية والنائية من نقص حاد في الأطباء والممرضين والفنيين، مما يزيد من الفوارق الاجتماعية والصحية بين المحافظات، مشيرا إلى أن الاستثمار في التحول الرقمي وربط السجلات الطبية بالمرافق الصحية يمثل أداة فعالة لتحسين تخطيط الموارد، وتحديد الاحتياجات بدقة، وتقليل الهدر المالي، مما يعزز كفاءة النظام الصحي ويضمن توزيعاً أكثر عدالة للخدمات.
كما يؤكد أن برامج التأمين الصحي الوطني ودعم الأسر محدودة الدخل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة الصحية، لكنها تحتاج إلى تعزيز التمويل وربطها بالتقنيات الرقمية لتصبح أكثر قدرة على الوصول إلى الفئات الأكثر حاجة.
ويختم أحمد بالقول إن الشباب، الذين يمثلون أكثر من نصف السكان، يشكلون فرصة اقتصادية واجتماعية هائلة إذا تم استثمارهم بشكل صحيح، مشدداً على ضرورة ربط برامج الصحة والتعليم والتأهيل المهني بمبادرات تشغيلية في القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة والسياحة. ويضيف أن هذا النهج لا يحسن فقط صحة الشباب وجودة حياتهم، بل يحوّل التحدي الديموغرافي إلى قوة دافعة للنمو الاقتصادي والاجتماعي، بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط.
هبة ديموغرافية
فيما يؤكد الباحث الاقتصادي عبدالله نجم أن العراق يواجه اليوم مرحلة حاسمة نتيجة النمو السكاني السريع، معتبراً أن هذه "الهبة الديموغرافية" تمثل فرصة تاريخية لتنمية الاقتصاد الوطني، لكنها قد تتحول إلى عبء كبير إذا غاب التخطيط الاستراتيجي والاستثمار الفعال في الشباب.
ويضيف نجم لـ"طريق الشعب"، أن أكبر تحديات العراق تتمثل في تزايد الطلب على المستشفيات والمراكز الصحية، ونقص الكوادر الطبية المتخصصة، وعدم التوازن الجغرافي للخدمات الصحية، ما يهدد استقرار النظام الصحي ويزيد الفوارق الاجتماعية بين المناطق.
ويشير إلى أن الحل يكمن في ربط النمو السكاني بالقدرة الاستيعابية للقطاعات الأساسية، بدءاً من الصحة والتعليم مروراً بسوق العمل، مؤكداً أن استثمار الشباب عبر برامج التدريب والتأهيل وتوسيع فرص العمل في الصناعة والزراعة والسياحة ليس خياراً بل ضرورة وطنية عاجلة لضمان التنمية المستدامة وتقليل معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب.
ويختتم نجم بالقول إن العراق إذا تمكن من تحويل التحدي السكاني إلى قوة اقتصادية حقيقية من خلال التخطيط المدروس، سيحقق نقلة نوعية في التنمية، ويحول الضغوط الحالية إلى رافعة للنمو الاجتماعي والاقتصادي، مؤكداً أن أي تأخير في اتخاذ الخطط والسياسات اللازمة سيجعل من هذه الهبة عبئاً ثقيلًا على الدولة والمجتمع.