تتصاعد حركة الاحتجاجات الشعبية في محافظات البصرة وبغداد ونينوى وكركوك، تعبيراً عن رفض واسع لقرارات حكومية وأوضاع خدمية ومعيشية متردية؛ حيث خرج تجار وأصحاب مهن وسائقون وأطباء ومواطنون، احتجاجاً على زيادة التعرفة الكمركية، وتراجع الخدمات الأساسية، وتعقيدات الاستثمار، وتأخر التعيينات، وانقطاع الكهرباء.
ويعكس هذا الحراك حالة احتقان متراكمة في الشارع، ويشير إلى فجوة متنامية بين السياسات الحكومية واحتياجات المواطنين، في وقت تتعاظم فيه المخاوف من اتساع رقعة الاحتجاجات ما لم تُقابل بمعالجات عاجلة وجدية.
وعلى خلفية تردي الخدمات العامة واعتراضات واسعة على قرارات حكومية، شهدت محافظة البصرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الاحتجاج على التعرفة الكمركية الجديدة، إلى جانب ملفات استثمارية وخدمية وصحية أثارت استياء شرائح مختلفة من المواطنين.
وقفة احتجاجية في منطقة حمدان
ونظّم العشرات من أصحاب المحال التجارية والتجار المستوردين، وقفة احتجاجية في منطقة صناعية حمدان بالبصرة، احتجاجاً على التعرفة، مطالبين الحكومة ورئاسة الوزراء بالتراجع عن القرار.
وأكد المحتجون أن الزيادة الأخيرة في الرسوم الجمركية أدت إلى ارتفاع أسعار السيارات والسلع الأساسية، وأثقلت كاهل المواطنين والتجار على حد سواء، فضلاً عن تسببها بتراجع نشاط موانئ البصرة، التي تُعد الشريان الاقتصادي الأهم للمدينة.
وقال التاجر يوسف حسن إن “أبرز مطالبنا اليوم هي تخفيض التسعيرة الكمركية الجديدة، بعد أن فُرضت بشكل عام وأثقلت كاهل المواطنين والتجار”، مبيناً أن “الزيادة لم تقتصر على الرسوم الجمركية فحسب، بل شملت أيضاً ارتفاعاً كبيراً في أسعار السيارات”.
وأضاف أن “هذا الارتفاع تسبب بتقليل عمل موانئ البصرة، دون تطبيق النظام نفسه على منافذ الشمال”، مطالباً رئيس الوزراء بالتدخل العاجل.
تظاهرة سائقي الشاحنات في أم قصر
وفي سياق متصل، أفاد مصدر أمني بخروج تظاهرة على طريق قضاء سفوان – ناحية أم قصر، وتحديداً عند مدخل السيطرة الغازية، شارك فيها العشرات من أصحاب الشاحنات.
وأوضح المصدر أن المتظاهرين طالبوا بإلغاء التعرفة الكمركية المفروضة في ميناء أم قصر، معربين عن استيائهم من الأعباء المالية التي أثّرت بشكل مباشر على طبيعة عملهم ومصادر رزقهم.
كما نظّم عدد من المواطنين في منطقة مناوي لجم وقفة احتجاجية رفضاً لقرار تغيير الشركة المنفذة للمشروع الخدمي في المنطقة، والمتمثلة بشركة “ماء السماء”.
وقال مشاركون في الوقفة، إن قرار إيقاف عمل الشركة وتسليم المشروع إلى شركة أخرى جاء في وقت كانت فيه الأعمال قد وصلت إلى نسب إنجاز متقدمة، بلغت ما بين 60 إلى 70 بالمئة.
وأضاف المحتجون، أنهم استبشروا خيراً بدخول الشركة الحالية، معربين عن خشيتهم من تأخر إنجاز المشروع أو تعثره في حال إدخال شركة جديدة، مطالبين الجهات المعنية بإعادة النظر في القرار وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.
سائقو الأجرة
وفي ملف آخر، نظّم عدد من سائقي سيارات الأجرة في البصرة وقفة احتجاجية اعتراضاً على سياسات شركة النقل عبر التطبيقات الذكية “بلي”.
وقال المحتجون إن الشركة تمكنت من جذب الزبائن بسبب انخفاض الأجور مقارنة بسيارات الأجرة التقليدية، ما تسبب بتضررهم مادياً، مشيرين إلى أن بعض الرحلات ألحقت أضراراً بمركباتهم.
ودعا المحتجون رئيس الوزراء ومحافظ البصرة والجهات المعنية إلى التدخل لمعالجة هذا الملف، وإعادة النظر في سياسات الشركة بما يحقق توازناً بين مصلحة السائقين والزبائن، مؤكدين أنهم ما زالوا يعملون ضمن الشركة لعدم توفر بدائل أخرى لمصدر رزقهم.
رفض مشاريع استثمارية
وعبّر أهالي خور الزبير، جنوبي البصرة، عن رفضهم لإقامة محال تجارية ومجمع طبي كمشروع استثماري على قطعة أرض تبلغ مساحتها ثلاثة دوانم، تقع ضمن التصميم الأساس للناحية، وتعد من الجزرات الوسطية والمرافق العامة المحاذية لمنازلهم في منطقة الأسمدة.
وطالب الأهالي بتدخل عاجل من محافظ البصرة لإيقاف المشروع، مؤكدين أن حدائق عامة ومواكب حسينية ومحال خدمية جرى هدمها سابقاً بذريعة دعاوى قانونية، رغم كون الأرض مملوكة طابو صرف.
وقال علي خيري، أحد سكنة المنطقة، إن “الاستثمار بحد ذاته لا يمثل اعتراضاً، لكن توجيه المشاريع نحو مناطق خضراء أو مرافق عامة ملاصقة للمنازل يُعد انتهاكاً واضحاً لحقوق السكن والبيئة الحضرية”.
من جانبه، أوضح الناشط المدني عباس الحيدري أن الأرض جرى طرحها للاستثمار عدة مرات خلال السنوات الماضية، وفي كل مرة كان الأهالي يخرجون باحتجاجات تؤدي إلى إيقاف المشروع، قبل إعادة طرحه مجدداً عبر منافذ أخرى.
احتجاجات الأطباء
وفي ملف صحي متصاعد، جدّد خريجو دفعتي 2023 و2024 من الأطباء المقيمين الدوريين، للمرة الخامسة على التوالي، وقفتهم الاحتجاجية أمام مقر النقابة في البصرة، مع تعليق العمل، مطالبين بالإسراع في تعيين دفعة 2024 وتنفيذ قانون التدرج الطبي.
وأشار المحتجون إلى أن ساعات العمل تجاوزت 360 ساعة شهرياً للطبيب، معتبرين ذلك انتهاكاً واضحاً لحقوقهم المهنية، ومؤكدين أن تأخر التعيينات أدى إلى نقص حاد في الكوادر الطبية وانعكس سلباً على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
وقال نقيب أطباء البصرة وسام الرديني إن “التأخير في التعيينات أحدث إرباكاً كبيراً في المنظومة الصحية”، محذراً من أن استمرار هذا الخلل سيؤدي إلى تفاقم الضغط على الأطباء الحاليين.
من جهتها، قالت الطبيبة ابتهال حسن، خريجة كلية الطب لعام 2024، إنها ما تزال من دون تعيين رغم تفوقها الدراسي، معربة عن خشيتها من فقدان مهاراتها الطبية بسبب الابتعاد القسري عن العمل.
تجار الجملة وصاغة الذهب في بغداد
وفي بغداد، نظم تجار الجملة وصاغة الذهب وقفات احتجاجية أمام غرفة تجارة بغداد رفضاً للتعرفة الكمركية الجديدة، مؤكدين انعكاسها السلبي على حركة السوق وارتفاع سعر الدولار.
وطالب التجار بإعادة النظر في السياسات الاقتصادية، قائلين إنها انعكست بشكل مباشر على حركة السوق والوضع المعيشي.
وقال مستشار غرفة تجارة بغداد، حاتم سلام، إن "التعرفة الكمركية غير المدروسة، دعت التجار إلى ترك العمل من خلال المصارف واللجوء إلى السوق الموازي، وبذلك رفع سعر الدولار بشكل حتمي"، مضيفاً أن "الحل الوحيد هو فتح أبواب المصارف للتجار برسوم كمركية وضرائب وشروط معقولة".
وقال ماجد الغراوي، محتج من نقابة صاغة الذهب، إن "التعرفة الگمرگية تشكل 5% من قيمة الذهب، بمعنى أنها 50 غراماً من كل كيلو، فمثلاً لو استوردنا 12 كيلوغراماً فسوف نعطي تعرفة كمركية 600 غرام، وهذه خسارة كبيرة".
الصائغ محمد بلو ـ أحد أشهر الصاغة في شارع النهر ـ قال إن كل تاجر يستورد حوالي 5 كيلو ذهب شهرياً، ما يعني دفع ربع كيلو ذهب كتعرفة كمركية شهرياً.
ويتنامى الغضب والاستياء بشكل واسع لدى سكان أهالي مدينة بسماية، الذين باتوا يستشعرون وكأنهم ضحية "احتيال" من السلطات، فبعد عامين من رفع سيطرة جسر ديالى، باشرت الاليات الحكومية بنصب سيطرة دائمية جديدة عند مخرج بسماية، وتأسيس محطة وزن للشاحنات الكبيرة.
ويحشد أهالي مدينة بسماية لتظاهرات حاشدة وقطع الطريق الرئيسي القادم نحو بغداد، وفقا لمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي رصدتها "طريق الشعب"، احتجاجا على قرار انشاء ونصب سيطرة جديدة ومحطة وزن للشاحنات، في مكان اعتبروه ناجم عن قرار خاطئ ولا يبرر الا لكونه يريد الاضرار باهالي المدينة لما سيتسبب به من زخم مروري كبير في عقدة حيوية وسكانية، في الوقت الذي تستطيع الجهات المختصة نصب محطة الوزن في مكان اخر قبل مدينة بسماية وليس بعدها أي في مكان الخروج باتجاه العاصمة بغداد.
إضراب شامل للأطباء في الموصل
كما شهدت محافظة نينوى إضراباً شاملاً للأطباء المقيمين الدوريين وأطباء التدرج في جميع المستشفيات، احتجاجاً على تأخر التعيينات وغياب بيئة العمل الآمنة.
وأفاد مصدر في دائرة صحة نينوى، بإضراب شامل للأطباء المقيمين الدوريين وأطباء التدرّج في جميع مستشفيات المحافظة، بما فيها مركز مدينة الموصل، ضمن حركة احتجاج متزامنة تشهدها أغلب محافظات العراق. وقال المصدر إن أعداد المضربين في نينوى تتجاوز 1000 طبيب مقيم دوري، مبيناً أن الإضراب جاء احتجاجاً على تأخر تعيين خريجي دفعة 2024 لأكثر من عام، إضافة إلى عدم إصدار أوامر الانفكاك والتوزيع المهني، أسوة بما أُعلن في محافظات أخرى بينها بغداد والبصرة.
وأضاف أن الإضراب شمل توقف العمل في العيادات الاستشارية والردهات الباردة، مع حصر تقديم الخدمات الطبية في أقسام الطوارئ والحالات الحرجة فقط، لضمان سلامة المرضى وعدم تعريض حياتهم للخطر. وتابع أن مطالب الأطباء تتضمن الإسراع بحسم ملف التعيينات المتأخرة، وتفعيل قانون حماية الأطباء، وتوفير بيئة عمل آمنة، مؤكداً أن الإضراب سيستمر إلى حين الاستجابة لهذه المطالب.
تظاهرة ليلية في كركوك
وفي كركوك، نظم أهالي منطقة بنجا علي تظاهرة ليلية وقطعوا الطريق الرئيس احتجاجاً على الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، مطالبين الحكومة المحلية ومديرية الكهرباء بالتدخل العاجل.
وأفاد مصدر محلي في كركوك، بأن أهالي منطقة بنجا علي في المحافظة، نظموا تظاهرة ليلية أقدموا خلالها على قطع الطريق الرئيس في المنطقة، احتجاجًا على الانقطاع المتكرر ولساعات طويلة للتيار الكهربائي.
وقال المصدر أن المحتجين قاموا بإحراق الإطارات وسط الطريق، ما أدى إلى اشتعال ألسنة النيران وتصاعد أعمدة الدخان، في خطوة تصعيدية للتعبير عن غضبهم من تردي واقع التجهيز الكهربائي.
وقال أسعد خورشيد، أحد أهالي الحي، إن المنطقة تعاني منذ فترة من ساعات انقطاع طويلة للكهرباء، الأمر الذي تسبب بمعاناة كبيرة للأهالي، خاصة المرضى وكبار السن والأطفال، مبينًا أن التحرك جاء بعد تجاهل الشكاوى المتكررة من قبل الجهات المعنية. من جانبه، أكد يوسف عمر، وهو من سكان المنطقة، أن "الأهالي لم يلجؤوا إلى التظاهر وقطع الطريق إلا بعد نفاد صبرهم"، مشيرًا إلى أن "المنطقة لا تحظى بعدالة في توزيع الطاقة الكهربائية مقارنة ببقية الأحياء".
وأضاف أن التظاهرة كانت سلمية في مطالبها، وتهدف إلى إيصال صوت المواطنين إلى الجهات المختصة"، مطالبًا الحكومة المحلية ومديرية الكهرباء بـ"التدخل العاجل لمعالجة المشكلة" .
وأوضح المصدر، أن القوات الأمنية حضرت إلى المكان لتأمين المنطقة ومنع أي احتكاك، فيما جرى فتح الطريق لاحقًا بعد هدوء الأوضاع، دون تسجيل أي صدامات.