تشير التقديرات إلى أن أكثر من مليون عامل أجنبي يعملون في العراق خارج الإطار القانوني، رغم أن البيانات الرسمية تسجل فقط نحو 43 ألف عامل. ويواجه هؤلاء العمال ظروف عمل صعبة تشمل تأخير الأجور، غياب العقود الرسمية، والعمل لساعات طويلة، إلى جانب حرمانهم من الضمانات القانونية والتأمين الصحي، ما يسلط الضوء على هشاشة الرقابة القانونية وانتشار العمالة غير النظامية في سوق العمل.
بيانات حكومية لا تشبه التقديرات الدولية
وتُظهر البيانات الرسمية أن عدد العمال الأجانب الحاصلين على تصاريح عمل في العراق يبلغ 43 ألف عامل فقط، بينما تشير تقارير دولية إلى أن العدد الفعلي يتجاوز مليون عامل، يعمل معظمهم في قطاعات البناء والخدمات والمطاعم والحراسة والمهن المنزلية. وقدر تقرير صادر عن MosulTime حجم التحويلات المالية لهؤلاء العمال إلى الخارج بنحو 5 مليارات دولار سنوياً. كما أفادت تقارير صادرة عن منظمة الهجرة الدولية أواخر عام 2024 بوجود عمال مهاجرين يعملون في ظروف غير رسمية تشمل غياب العقود، واحتجاز الوثائق، وساعات عمل طويلة. وتحذر تقارير دولية، من بينها تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر، من مخاطر استمرار هذه الأوضاع.
عاملون في الظل
ويؤشر رئيس المركز العراقي لحقوق الإنسان، علي العبادي، تفاقم ملف العمالة الأجنبية غير النظامية في العراق، مؤكداً أن البلاد تقف أمام وضع مقلق مع وجود أكثر من مليون عامل أجنبي يعملون خارج الإطار القانوني، ومن دون تسجيل رسمي لدى وزارة العمل.
ويقول العبادي لـ"طريق الشعب"، أن الأرقام الرسمية تشير إلى تسجيل ما بين 40 و70 ألف عامل فقط، ما يعني أن الغالبية العظمى من العمالة الأجنبية تعمل في الظل، وهو ما يفتح الباب أمام اختلالات قانونية واقتصادية واسعة قد تتحول إلى أزمة اجتماعية حقيقية في حال استمرارها دون معالجة جذرية.
ويضيف أن انعكاسات هذه الظاهرة لا تقتصر على سوق العمل فحسب، بل تمتد إلى المجتمع ككل، عبر حرمان المواطنين من فرص العمل، وتوسع شبكات الاتجار بالبشر، وتزايد حالات الاستغلال والخداع، إضافة إلى مخاطر أمنية بدأت تتضح معالمها في عدد من المدن الكبرى.
أبرز الانتهاكات
ويعاني العمال الأجانب في العراق من سلسلة من انتهاكات تمس حقوقهم الأساسية، ما يضعهم في مواجهة مستمرة مع ظروف عمل قاسية وغالباً غير آمنة.
ويشير الناشط العمالي علي الجناحي إلى أن أبرز هذه الانتهاكات تتضمن عدم دفع الأجور في مواعيدها أو تأخيرها، والعمل لساعات طويلة دون مقابل قانوني، إضافة إلى غياب العقود الرسمية أو مخالفتها للشروط المتفق عليها.
ويضيف أن ظروف العمل غالبا ما تكون سيئة، مع نقص إجراءات السلامة المهنية، وانتشار التمييز وسوء المعاملة، وحتى حجز الوثائق الرسمية، فضلاً عن حرمان العمال من الضمانات القانونية والتأمين الصحي. هذه الانتهاكات، بحسب المتحدث، تشكل تحديا كبيرا أمام حقوق هؤلاء العمال، خصوصا في ظل وجود ما يقارب مليون عامل أجنبي يعملون في مجالات متعددة مثل البناء، والخدمات، والمطاعم، والحراسة، والمهن المنزلية.
ويؤكد الجناحي لـ"طريق الشعب"، أن الحل يكمن في وضع إطار قانوني منظم، وتطبيق صارم لقوانين العمل، مع تعزيز دور الجهات الرقابية. كما يشدد على أهمية ضمان العقود الرسمية والأجور العادلة، وإطلاق آليات شكاوى فعّالة، إذ إن هذه الخطوات من شأنها حماية حقوق العمال الأجانب، وفي الوقت نفسه كفل حقوق جميع الأطراف ويحدّ من الانتهاكات التي قد يتعرضون لها.
ويختتم الجناحي بالقول إن معالجة هذه التحديات لا تُعد مسألة قانونية فقط، بل مسألة إنسانية واجتماعية تتطلب تعاون الحكومة وأصحاب العمل والمجتمع المدني لضمان بيئة عمل عادلة وآمنة للجميع.
ملف معقد وغير مراقب
من جانبها، تؤكد الناشطة الحقوقية والعمالية رؤى خلف أن واقع العمالة الأجنبية غير النظامية في العراق يُعد من أكثر الملفات تعقيداً وتدهوراً، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة متجذرة منذ سنوات ويصعب تفكيكها، بسبب تعدد منافذ الدخول والخروج، وغياب المعالجات الجذرية.
وتقول خلف ان إجراءات الترحيل في بعض الأحيان تُستخدم كوسيلة لحماية العمال من الاستغلال في السوق السوداء، لكنها في أحيان أخرى تتحول إلى أداة ظلم بحق عمال لا يعرفون حقوقهم ولا الإجراءات القانونية التي تحكم وجودهم.
وتلفت خلف في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن الخلل الأكبر يكمن في غياب التنسيق والآليات الموحدة بين مكاتب الاستقدام ودائرتي الإقامة ووزارة العمل، حيث تُعقَّد الإجراءات على المواطنين والعمال أكثر مما تُفرض قيودا على المستثمرين وأصحاب الشركات العاملة في مجال استقدام العمالة. هذا الواقع، بحسب قولها، يدفع بعض المواطنين والعمال إلى القبول بالخروقات القانونية كأمر واقع، نتيجة الضغوط الإدارية والمالية.
وتضيف أن العامل الأجنبي غير النظامي غالباً ما يكون بلا عنوان رسمي، ولا يتمتع بأي ضمان اجتماعي أو صحي، كما تفتقر الجهات الحكومية إلى معلومات دقيقة عن أماكن وجود هؤلاء العمال، أو طبيعة الأعمال التي يؤدونها، أو الظروف التي يعيشونها داخل المنازل أو الشركات التي تستخدمهم.
وتعد بيئات العمل السيئة، وساعات العمل الطويلة، وحرمان العامل من فترات الراحة والرعاية الصحية، من أبرز الانتهاكات التي يتعرض لها العمال الأجانب في العراق.
وفي ما يتعلق بمحاولات تحقيق التوازن بين حماية سوق العمل وضمان حقوق العمال المهاجرين، تشير خلف إلى أن العراق لم ينضم حتى الآن إلى اتفاقية حماية حقوق العمال المهاجرين، الأمر الذي يزيد من هشاشة هذا الملف. كما تؤكد أن التعقيدات التي تفرضها وزارة العمل ودائرة الإقامة تسهم بشكل مباشر في توسع ظاهرة العمالة غير الرسمية، ولا سيما عمال الخدمة غير المهرة.
وتوضح أن وزارة العمل تشترط على المواطن الراغب بكفالة عامل أجنبي تسديد ما يقارب مليونين ونصف المليون دينار كضمان اجتماعي مقدّم، وهو إجراء تصفه بأنه غير قانوني وغير منطقي، خاصة أن كثيراً من المواطنين لا يمتلكون هذا المبلغ. هذا الأمر يدفع بعض الشركات إلى تسجيل العمال بأسمائها شكلياً، أو إبقائهم خارج إطار الكفالة الرسمية، ثم الاستغناء عنهم أو إعادتهم إلى بلدانهم دون أي التزام قانوني، ما يؤدي في النهاية إلى ضياع حقوق العمال وتركهم عرضة للاستغلال والانتهاك.
ضعف الرقابة القانونية!
وقال مصطفى البياتي، مختص بالشأن القانوني، إن الإطار القانوني العراقي المنظم لعمل العمالة الأجنبية واضح من حيث النصوص، لكنه يعاني من إشكالات كبيرة على مستوى التطبيق والتنفيذ.
واضاف أن قانون العمل رقم (37) لسنة 2015 يشترط حصول العامل الأجنبي على تصريح رسمي من وزارة العمل قبل مزاولة أي نشاط، كما يُلزم صاحب العمل بتسجيل العامل وضمان حقوقه الأساسية.
وتابع البياتي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في غياب القانون، بل في ضعف الرقابة وتشتت الصلاحيات بين الجهات المعنية، ولا سيما وزارات العمل والداخلية والتجارة، ما يسمح بدخول عمال أجانب بتأشيرات سياحية أو دينية ثم تحولهم إلى عمال غير نظاميين من دون مساءلة قانونية فعالة.
وبين أن من أبرز ثغرات القانون الحالية عدم وجود قاعدة بيانات وطنية موحدة تربط الإقامة بتصاريح العمل، فضلاً عن غياب العقوبات الرادعة بحق أرباب العمل الذين يشغلون عمالة أجنبية خارج الأطر القانونية، إذ غالباً ما تُفرض غرامات محدودة لا تتناسب مع حجم الأرباح المتحققة من هذا التشغيل غير النظامي.
ورأى البياتي أن معالجة الملف تتطلب تعديل بعض النصوص القانونية، وتشديد العقوبات، وتفعيل التفتيش العمالي، إلى جانب اعتماد أنظمة إلكترونية حديثة تضمن ضبط سوق العمل وحماية حقوق العامل العراقي والاجنبي على حد سواء، محذراً من أن استمرار الخلل الحالي يفتح الباب أمام توسع اقتصاد الظل وتزايد مخاطر الاتجار بالبشر.