اخر الاخبار

تمتلك بغداد مخططاً إنمائياً شاملاً لعام 2030 يضع رؤية لتطوير المدينة وتنظيم النمو العمراني، لكن العشوائيات والمشاريع غير المنظمة على الأرض تجعل تنفيذ هذه الرؤية تحدياً حقيقياً. ويؤكد الخبراء أن الحل يكمن في التزام الجهات الرسمية والقطاع الخاص بالرقابة الصارمة، والتخطيط الاستباقي لتوسيع المدينة، مع الحفاظ على الهوية العمرانية وتوفير الخدمات الأساسية لسكان العاصمة.

واطلعت "طريق الشعب" على المخطط الإنمائي الشامل لمدينة بغداد لعام 2030، الذي أعدته أمانة بغداد لتنظيم النمو العمراني ومواجهة التحديات التخطيطية في العاصمة، والذي يهدف إلى تحديث التصميم الأساسي للمدينة، ومعالجة العشوائيات، وتوفير أراضٍ للمشاريع السكنية المنظمة، مع تطوير البنى التحتية وشبكات النقل والمرافق العامة.

كما يسعى المخطط إلى توسيع حدود المدينة بما يتناسب مع الزيادة السكانية، وتحسين الخدمات الأساسية، مع الحفاظ على الهوية العمرانية وتوفير مساحات خضراء، لتصبح بغداد أكثر تنظيماً واستدامة بحلول 2030.

مخطط انمائي

تعليقاً عن ذلك، قال د. عمار بلال، اكاديمي متخصص في الهندسة المعمارية: إننا نتفاجأ عند متابعة الخطاب الرسمي لأمانة بغداد نجده يتحدث عن وجود مخطط إنمائي شامل أُعد عام 2020، يأخذ بنظر الاعتبار تطور مدينة بغداد حتى عام 2030، مشيراً إلى أن هذا المخطط أُنجز من قبل شركة لبنانية، وبمشاركة شركات استشارية ألمانية ويابانية.

وأوضح بلال لـ"طريق الشعب"، أن الإشكالية لا تكمن في غياب التخطيط، بل في أسباب أخرى تعيق تطبيقه على أرض الواقع، مبيناً أن المشكلة الأولى تتمثل بعدم توفر الموارد المالية الكافية لدى أمانة بغداد لتنفيذ ما ورد في المخطط الإنمائي الشامل، والذي يتضمن تطوير الخدمات، وتحسين منظومة النقل، وتحديث القطاعات القائمة داخل المدينة، فضلاً عن تخطيط قطاعات جديدة للتوسع الحضري.

وتابع أن المشكلة الثانية ترتبط بطبيعة المشاريع التي ينفذها القطاع الخاص داخل المدينة، والتي غالباً ما تسهم في تشويه المشهد الحضري والخروج عن روح المخطط الإنمائي الشامل.

وأشار إلى أن معظم هذه المشاريع تقوم على الهدم وإعادة البناء داخل النسيج الحضري القائم، في حين أن المخطط الإنمائي يركز أساساً على كيفية توسع المدينة باتجاه الخارج وتنظيم هذا التوسع بشكل مدروس.

وأشار بلال إلى وجود حالات تحايل واضحة على المخطط الإنمائي الشامل، إذ يقدم بعض المستثمرين والجهات المنفذة مشاريع ومخططات بأهداف معلنة تتوافق شكلياً مع المخطط، لكنها تُنفذ لاحقاً بمواصفات وأهداف تخالف ما تم تقديمه والمصادقة عليه.

وأكد أن ضعف الرقابة من قبل الجهات المعنية يشجع على استمرار هذه المخالفات، ويمنح الجرأة لتنفيذ مشاريع لا تنسجم مع الرؤية التخطيطية للمدينة.

ولخّص بلال رؤيته بعدة نقاط أساسية، في مقدمتها الحاجة إلى تعزيز الشفافية من قبل أمانة بغداد، عبر الإعلان الواضح عن تفاصيل المخطط الإنمائي الشامل ومواصفاته، وإلزام جميع الجهات بالعمل وفقه. كما شدد على ضرورة منع أي تحايل من قبل القطاع الخاص على هذا المخطط، إلى جانب تفعيل الرقابة الصارمة ومنع تنفيذ أي مشروع لا يتطابق مع المعايير والتوجهات التي حددها المخطط الإنمائي الشامل لمدينة بغداد.

وختم بالقول إن بغداد تمتلك، من حيث الخطاب الرسمي، مخططاً إنمائياً حديثاً ومتكاملاً، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في الالتزام بتطبيقه، وتنفيذ بنوده كما وُضعت، وضمان الرقابة الفاعلة على المشاريع الاستثمارية والخدمية، بما يحفظ هوية المدينة وينظم نموها المستقبلي.

أحياء بلا "خدمات"!

من جهته، قال المهندس الاستشاري والمختص بإدارة البلديات، سلوان الآغا، إنّ مشكلة العشوائيات في العراق تُعد من أبرز الإشكاليات المزمنة التي تعاني منها المدن منذ عقود، دون أن يبتكر لها حل جذري حقيقي يحافظ على التصميم الأساس للمدن واستعمالات الأراضي وشكل النسيج الحضري، إضافة إلى تنظيم الحركة المرورية، ونقاط التمركز التجاري والاقتصادي والحكومي، وإمكانية توفير الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والاتصالات والنقل والأعمال البلدية، بما فيها خدمات جمع النفايات.

وأوضح الآغا لـ"طريق الشعب"، أن العشوائيات نشأت نتيجة البناء دون تخطيط أو تصاميم قطاعية، وبما يخالف التنظيم الأساس للمدن، الأمر الذي تسبب بتفاقم المشاكل الحضرية الحالية والمستقبلية، وجعل من الصعب، بل من المستحيل أحياناً، توفير الخدمات الأساسية للسكان.

وأشار إلى أن قرار مجلس الوزراء رقم (320) لسنة 2022 يُعد قراراً جريئاً وغير مسبوق، رغم أنه لم يُطبق حتى الآن في جميع المحافظات، إذ شرعت به بعض المحافظات وليس جميعها.

 وبيّن أن هذا القرار يتجه نحو معالجة واقع العشوائيات المقامة على أراضٍ زراعية داخل مراكز المدن وأمانة العاصمة، من خلال تحويلها إلى أراضٍ سكنية (طابو)، بعد تحديد حصة وزارة المالية، كون هذه الأراضي مملوكة جزئياً للدولة وفيها حقوق وأسهم للمالكين، خاصة أن عمليات بيع وشراء كثيرة جرت عليها منذ سنوات، وسكنها المواطنون فعلياً.

وأضاف أن هذا القرار يُعالج المشكلة كـ"واقع حال"، إذ إن الأراضي المشمولة كانت مخصصة للسكن فقط، ولم تُستقطع منها مساحات للخدمات العامة، كالمباني الحكومية، أو المؤسسات التربوية من رياض أطفال ومدارس، ولا المساحات الخضراء والمتنزهات والمرافق الترفيهية.

ونبه الى أن هذا سيؤدي مستقبلاً إلى نقص حاد في هذه الخدمات داخل المدن.

وبين الآغا أن العشوائيات خارج المدن غالباً ما تتشكل في المناطق الفاصلة إدارياً بين الأقضية والنواحي ومراكز المدن، وهي مناطق تكون تابعة إدارياً، لكنها خارج الحدود الخدمية للبلديات، ومعظم أراضيها زراعية أو تابعة لوزارة المالية. ورغم أن هذه التجمعات أقل كثافة بسبب بعدها عن مراكز المدن، إلا أنها تحمل تحدياً إضافياً في إيصال الخدمات الأساسية إليها.

حلول الازمة

وأكد أن الحل الحقيقي يتطلب تحركاً استباقياً من الدولة عبر تحديث التصاميم الأساسية للمدن، وتوسيع حدودها بمعدل يصل إلى سبعة كيلومترات، بما يتناسب مع النمو السكاني السنوي البالغ نحو 3 في المائة حتى وإن كان ذلك على حساب بعض المناطق الخضراء، مع تغيير جنس الأراضي واستحصال موافقات الجهات المعنية، مثل وزارات الزراعة والموارد المائية والآثار والاتصالات، ثم فرز الأراضي وتحديد أولويات العمل بها وتقسيمها بشكل منظم.

وأشار إلى أن هذا التوجه يمكن أن يتيح إنشاء مجمعات سكنية منظمة تسيطر على ظاهرة العشوائيات، من خلال آليات تمويلية كالقروض المصرفية، مؤكداً أن معالجة العشوائيات خارج المدن أسهل نسبياً من داخلها، رغم ما تتطلبه من كلف لإيصال الطرق والكهرباء وبقية الخدمات.

وفي ما يخص الوضع الراهن، شكك الآغا في إمكانية تنفيذ تخطيط استباقي شامل في ظل العقلية التخطيطية الحالية لدى الوزارات المعنية والحكومات المحلية، موضحاً أن الجهد الحالي يتركز فقط على تطبيق قرار 320، الذي يعالج عشوائيات الأراضي الزراعية داخل مراكز المدن.

وأشار الى أن المحافظات التي أنجزت جزءاً من هذا القرار لا يتجاوز عددها واحدا أو اثنين، فيما لا تزال بقية المحافظات في مراحل أولية بسبب تعقيد الإجراءات، كتحديد الأراضي ونسب وزارة المالية.

وأكد أن هذا الحل، برغم كونه واقعياً، لكنه لا يوفر مساحات خضراء أو خدمات عامة، لأن المناطق المعالجة مبنية فعلياً.

وختم الآغا بالقول إن القرار، رغم سلبياته التخطيطية، قد يُجنب الدولة دفع مبالغ طائلة كانت ستُصرف على استملاكات الأراضي، خاصة في الشوارع المخططة سابقاً ضمن التصميم الأساس، إذ تتحول حصة وزارة المالية نفسها إلى شوارع عامة دون تعويضات مالية، ما يوفر مليارات الدنانير، إلى جانب تحقيق إيرادات من الرسوم التي تُستوفى من المواطنين، لكنه في المقابل سيؤدي إلى زيادة سكانية على حساب المساحات الخضراء والأنشطة العامة والمباني التربوية، وهي نتائج سلبية لا يمكن تجاهلها على المدى البعيد.