اخر الاخبار

على بعد 66 كيلومترًا شرقي بغداد، تتجمع تلال من النفايات الصلبة في مطمرَي "الخالص" و"كنعان" بمحافظة ديالى، مسببة مخاطر صحية وبيئية. ووفقا لتقارير صحفية نشرتها وكالات أنباء، فإن هذين المطمرين مستمرين في العمل "بشكل غير قانوني"، متجاهلين أوامر رسمية بالإغلاق.

ويتلقى المطمران النفاياتِ من بلديات المحافظة. إذ يستقبل مطمر كنعان وحده نفايات خمس بلديات، في حين يستقبل مطمر الخالص نفايات بلدية قضاء الخالص.. هذا الاستمرار غير القانوني يعرّض صحة مئات الأسر لمخاطر صحية جمة، وفي الوقت ذاته يؤشر أحد أبرز أسباب اعتبار أداء العراق البيئي منخفضًا. إذ صُنِّف في المرتبة 172 عالميًا وفق مؤشر الأداء البيئي لعام 2024، والذي يشمل 180 دولة.  

نساء يعشن على "نبش" النفايات!

تقف شيماء علوان (46 عامًا)، وهي أم لسبعة أيتام وجدة لطفلين، وسط النفايات في مطمر كنعان، بعد أن أجبرها النزوح من خانقين على العمل في هذا الموقع، رغم تدهور بصرها ومعاناتها مع آلام المفاصل.

لم يكن أمام شيماء خيار آخر، وهي المعيلة الوحيدة لأسرتها، سوى العمل "نبّاشة" مقابل عشرين ألف دينار يوميًا، وهو مبلغ لا يسدّ احتياجات عائلتها الكبيرة. وقد تفاقمت معاناتها بإصابة شقيقها الوحيد بسرطان الدم، ما اضطرت إلى العمل ليلًا أيضًا (من الواحدة بعد منتصف الليل حتى الثالثة عصرًا)، في محاولة لسداد تكاليف علاجه الباهظة.

بين "معسكر سعد" حيث تعيش مع عائلتها والاتكال على النبش في مطمر كنعان، تمضي شيماء كل يوم في رحلة موت بطيء - حسب وصفها.

إذ تعاني هي وأولادها أمراضا جلدية وتنفسية، بسبب الاحتكاك بنفايات من ضمنها مخلفات طبية خطرة، بل حتى أعضاء بشرية من مخلفات المستشفيات!

في حديث صحفي، تستذكر شيماء حوادث متفرقة خلال فترة عملها الممتدة لسنوات في المطمر، إحداها عندما أوشكت كابسة النفايات على دهسها، بسبب تدافع "النبّاشين" عندها، مضيفة أن هناك من تعرّض لإصابات أشد في هذه المهنة الخطرة. 

مهنة غير قانونية

عمل النبّاشة في المطامر غير نظامي. فليس لدى هؤلاء أي رخصة قانونية لمزاولة المهنة، ولا تتوافر في عملهم معاييرُ السلامة الصحية والبيئية. لكن – وفقا للنبّاش علاء علوان - أنه "إذا انقطعنا عن العمل يوما واحدا، لن نأكل. نحن نواصل عملنا رغم مضايقات البلدية والإدارة، ومكابدة العيش في قلق دائم وسط تهديدات بالطرد، ومخاطر التعرض لإصابات وأمراض.

فيما يقول النبّاش حسن (14 عامًا): "ما ان فطنت ووعيت على الحياة، حتى وجدت نفسي هنا"!

ويعمل حسن في المطمر بسبب غياب المعيل. حيث توفي والداه. وليفاعة تجربته في هذه المهنة، يتعرض إلى إصابات.

أما أم سعد (47 عامًا)، فتشق طريقها فجرًا مع ابنها الأكبر، من منطقة حسينية المعامل في بغداد إلى ناحية كنعان، للعمل داخل المطمر، مضطرة لإعالة زوجها المريض وبناتها وأبنائها الستة. إذ تعمل من الفجر إلى بعد الظهر.

تقول في حديث صحفي: "نجمع الكرتون والبلاستيك ثم نبيعه في بغداد"، مشيرة إلى انه "لا أحد يريد أن يزاول هذه المهنة المتعبة، نحن مضطرون إلى ذلك، ولو توفرت لي حياة كريمة لما اضطررت إلى استنشاق الروائح النتنة يوميا"! 

الفقر يدفع نحو الأمرّ منه

لا يختلف المشهد في مطمر الخالص عما هو عليه في مطمر كنعان. فالروائح النتنة ذاتها، والدخان المتصاعد من حرق النفايات نفسه. إذ يقوم "النبّاشون" بإضرام النار في النفايات لفرز المعادن. بينما تتصاعد الأدخنة السامة لتخيّم على المناطق السكنية القريبة. 

وعلى غرار شيماء وأم سعد، تمضي زكية، المعروفة بأم مالك (57 عامًا)، يومها في جمع علب المعجون والبيبسي الفارغة بيدين عاريتين.

تقول في حديث صحفي: "أنا مجبرة على تحمّل هذا العبء. ليس لدي وسيلة عيش أخرى"، مبيّنة أن "هذا الجهد الكبير لا يدر علي سوى 5 آلاف دينار يوميا، وهو مبلغ بالكاد يكفي لسداد بدل إيجار المنزل، البالغ 160 ألف دينار شهريا".

عوامل عدة تدفع قسرًا بأم مالك وغيرها من النساء إلى ممارسة أعمال خطرة مثل نبش النفايات. إذ تقول الناشطة في حقوق الإنسان سارة جاسم، أن "الأزمات الاقتصادية وضعف الحماية الاجتماعية وغياب فرص التعليم والتأهيل، تفرض ضغوطًا قاسية على النساء الأكثر هشاشة"، مشيرة في حديث صحفي إلى ان "غياب التعليم وانعدام فرص العمل الآمنة، يحولان دون حصول النساء على فرص عمل كريمة".

من جانبه، يعمل الطالب حسن علي داخل (15 عاماً)، في مطمر الخالص مقابل 7 آلاف دينار، رغم معاناته مع ضيق التنفس جراء دخان حرق النفايات.

ويؤكد داخل في حديث صحفي، انه وزملاؤه في العمل مجبرون على تحمّل المخاطر، في ظل غياب مصدر دخل بديل. 

مخالفات صريحة

عمل "النباشة" في المطامر مخالف للشروط والمعايير البيئية التي ينص عليها القانون العراقي والاتفاقيات الدولية. فعمليات الحرق المستمرة للنفايات تتعارض بشكل صارخ مع قانون حماية وتحسين البيئة العراقي رقم (27) لسنة 2009، والذي يشدد على منع تلوث المياه السطحية والجوفية والهواء، وحظر حرق النفايات الصلبة في المناطق السكنية أو بالقرب منها. ويلزم بتصنيف النفايات، ويحظر مزج الخطرة منها مع غيرها.

وتشير تصريحات رسمية إلى أن ٢٨ في المائة فقط من إجمالي عدد مواقع الطمر الصحي في العراق حاصلة على الموافقات البيئية. أما المحطات التحويلية فيبلغ عددها ٨٧ محطة منتشرة في جميع المحافظات، ١٤ منها فقط حاصلة على موافقات بيئية.

وبشأن مطمري كنعان والخالص. تلفت وكالات أنباء إلى أن هناك وثائق تثبت وضع غرامات وإصدار أوامر بغلقهما، لكن أيا من ذلك لم يُنفذ. حيث صدر في العام 2017 عن وزارتي الصحة والبيئة أمر بغلق مطمر كنعان، نتيجة عدم مراجعته دائرة حماية وتحسين البيئة لاستحصال الموافقات.

ورغم ذلك – وفقا لوكالات الأنباء - استمرت المخالفات في المطمر، ما أدى إلى تصعيد الإجراءات القانونية من دون تغيير جذري في الواقع الميداني. حيث فُرضت عليه في العام 2020 غرامات مالية ضخمة لعدم الامتثال، بقيت تتكرر شهريا دون دفع. بينما لا يزال الموقع يزاول عمله بلا موافقات!

من جهته، يدافع المهندس بسام الحديثي، مدير قسم البيئة في بلدية بعقوبة، عن الموقع، قائلًا انه "حاصل على جميع الموافقات من الجهات ذات العلاقة"، مستدركا في حديث صحفي "لكنه غير حاصل على موافقة وزارة البيئة".

وتؤكد مسؤولة في مديرية بيئة ديالى، أن "المطمر لا يمكن إغلاقه في الوقت الراهن، كونه يخدم بلديات عدة، ولا يوجد بديل حالي للتخلص من نفايات 700 ألف نسمة"، مشيرة إلى ان "الوضع الحالي للمطمر أفضل من السابق. فقد أحيط الموقع بخندق، وزُوِّد بكاميرات للسيطرة على النبّاشة والحرائق".

لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن "هذه التحسينات لا تلغي حقيقة أن المطمر لا يزال مخالفًا للشروط البيئية".

أما في ما يخص مطمر الخالص، الذي يشتكي منه الأهالي. فتؤكد المسؤولة، وقد حجبت وكالات الأنباء اسمها – ان مديرية البيئة تسلمت كتابًا رسميًا في آب الماضي، يفيد بضرورة فتح موقع طمر جديد مطابق للشروط البيئية، على أن يُغلق الموقع الحالي، باعتباره غير حاصل على الموافقة البيئية.

ووجهت بيئة ديالى وقتها كتابا إلى بلدية الخالص يلزم بإنهاء العمل في الموقع الحالي، والانتقال إلى موقع بديل.

وبالنسبة لبقية مطامر ديالى، مثل خانقين، قره تبة، جلولاء، السعدية، حمرين، خان بني سعد وبلدروز، فهي - وفقا للمسؤولة - غير حاصلة على أي موافقة بيئية! 

بصمة تراكمية من التلوّث

في السياق، يقول الخبير في معالجة النفايات د. أوس الطياوي، أن المطامر العشوائية تخلف بصمة تراكمية تستمر لعقود من التلوث البيئي والصحي.

ويوضح في حديث صحفي أن "العصارة السامة الناتجة عن تحلل النفايات تلوث المياه الجوفية، ما يزيد من احتمالات الإصابة بالسرطان والأمراض المزمنة".

وينتج عن الحرق العشوائي غازات خطيرة مثل الميثان والديوكسينات، الذين يؤثران على جودة الهواء.

وبالعودة إلى مدير مكتب حقوق الإنسان صلاح مهدي، فإن حرق النفايات في المطامر ليس من فعل "النباشة" وحدهم، بل يقوم بذلك عمال البلدية، وأحيانا أصحاب مزارع الدواجن الذين يحرقون الدجاج التالف. 

المرض يُحاصر الأهالي

يتحدث عدد من سكان القرى القريبة من مطمر الخالص، عن الروائح النتنة الشديدة التي تأتيهم من النفايات.

وتقول أم محمد، من سكان "قرية سادة بني جميل"، أن ابنها البالغ من العمر سنة وشهرين، كاد يفارق الحياة. حيث أصيب بحساسية مزمنة في الصدر جراء تعرضه لدخان كثيف متصاعد من المطمر، مؤكدة أن هذه الحالة تتكرر في قريتهم التي تضم حوالي 30 بيتًا "فجميعنا يُعاني أطفالنا أمراضا تنفسية وحساسية".

أما خطاب ساجد (20 عامًا)، وهو من "قرية أبو تمر" القريبة من مطمر الخالص، فيقول أن "الكثافة المرضية بلغت حدًا صادمًا. تقريبًا يوميًا يدخل حوالي 30 طفلا إلى المستشفى بسبب الحساسية والاختناق".

قد يدفع هذا التدهور البيئي عددا من السكان إلى النزوح. إذ يؤكد البعض أنه اذا استمر الحال على ما هو عليه، سيتركون القرية، مشيرين إلى انه رغم المناشدات لا يجدون آذانًا صاغية!