اخر الاخبار

تحولت ناحية بني هاشم، التابعة لقضاء الكحلان في محافظة ميسان، إلى واحدة من أكثر مناطق الجنوب تضررا من الجفاف والتلوث، بعد أن فقدت أنهارها وأهوارها مصادرها المائية بشكل شبه كامل منذ أكثر من أربع سنوات، ما دفع عشرات العائلات إلى هجرة منازلها، وترك أراضٍ كانت تعتمد على الزراعة وتربية الجاموس كمصدر رئيسي للعيش.

وعلى الرغم من وقوع الناحية ضمن محيط أحد أكبر الحقول النفطية في المحافظة، ما يزال سكانها يواجهون شحا حادا في المياه الصالحة للشرب، وتدهورا في الواقع الصحي والبيئي، في ظل غياب حلول حكومية فاعلة، واعتماد مؤقت على نقل المياه بالحوضيات، لا يغطي الحد الأدنى من احتياجات السكان، الأمر الذي فاقم من معاناتهم اليومية وهدد استقرارهم السكاني والمعيشي 

أهوار بني هاشم مظلومة إعلاميا

وكشف مصطفى هاشم، ناشط مدني من محافظة ميسان، عن معاناة متواصلة لسكان ناحية بني هاشم، التابعة لقضاء الكحلان، بسبب الجفاف التام الذي طال الأنهار والأهوار في المنطقة منذ أكثر من أربع سنوات، ما أدى إلى هجرة واسعة للسكان وتدهور سبل العيش، رغم وقوعها ضمن محيط أحد أكبر الحقول النفطية في المحافظة.

وقال مصطفى، وهو من أبناء ناحية بني هاشم، إن المنطقة التي تضم حقل الحويزة النفطي تعاني من انعدام شبه كامل للمياه العذبة، ما اضطر الأهالي إلى حفر آبار بدائية غير آمنة، مشيرا إلى تسجيل حالات أمراض ومخاطر على حياة السكان في ظل غياب الرعاية الصحية.

وأضاف هاشم لـ"طريق الشعب"، أن "الجفاف انعكس بشكل مباشر على الثروة الحيوانية، ولا سيما تربية الجاموس، حيث فقدت العديد من العائلات جزءًا كبيرًا من قطعانها، فضلًا عن هجرة قرى كاملة من سكانها"، مبينًا أن "بعض القرى لم يتبقَّ فيها سوى عدد محدود من المنازل بعد أن كانت تضم عشرات العائلات".

وأشار هاشم إلى أن أهوار بني هاشم تُعد من أكبر أهوار جنوب العراق، إلا أنها تعاني من تهميش إعلامي واضح، مقارنة بمناطق أخرى تحظى بتغطية أوسع لأغراض سياحية، على حد وصفه.

وفيما يتعلق بالشركات النفطية العاملة في المنطقة، اتهم هاشم هذه الشركات بسحب كميات كبيرة من المياه السطحية العذبة من الأنهار لاستخدامها في عمليات حقن الآبار النفطية، معتبرًا ذلك عاملًا إضافيًا في تفاقم أزمة المياه، ومخالفًا لبنود التعاقد.

كما لفت إلى ضعف تنفيذ مشاريع المنفعة الاجتماعية المنصوص عليها في عقود تطوير الحقول النفطية منذ عام 2009، مشيرا إلى أن ما نُفذ يقتصر على أعمال تبليط محدودة للطرق الرئيسية، دون إنشاء مدارس أو مراكز صحية أو توفير فرص عمل لأبناء المنطقة، حيث تعتمد الشركات – بحسب قوله – على عمالة من خارج المحافظة وأجنبية.

وطالب هاشم الجهات الحكومية المعنية ووزارة النفط ووزارة الموارد المائية بالتدخل العاجل لمعالجة أزمة الجفاف، وضمان حقوق المجتمعات المحلية في المياه والخدمات، وحماية ما تبقى من أهوار جنوب العراق من الجفاف والاندثار.

أزمة بيئية وخدمية مركبة

من جهته، أكد مدير ناحية بني هاشم مصطفى عجيل، أن الناحية تواجه أزمة بيئية وخدمية مركبة، تتمثل بتلوث واسع النطاق وشح حاد في المياه، على الرغم من كونها واحدة من أكثر مناطق المحافظة إنتاجًا للنفط والغاز.

وأوضح عجيل في حديث لـ"طريق الشعب" أن تمركز أغلب الشركات النفطية ضمن حدود الناحية أسهم بشكل مباشر في تلوث مصادر المياه والهواء والتربة، نتيجة عمليات الاستخراج النفطي والغازي المستمرة، في وقت لم تقابله إجراءات خدمية أو بيئية تعالج آثار هذا النشاط.

وبين أن أزمة المياه تفاقمت إلى حدٍّ خطير بعد جفاف الأنهر وتوقف محطات تصفية وتحليل المياه عن العمل، ما اضطر الجهات المختصة إلى الاعتماد على نقل المياه بواسطة الحوضيات، وهو حل مؤقت وغير كافٍ، خصوصًا أن الناحية لا تمتلك سوى حوضية واحدة.

وأشار إلى أن تردي الأوضاع البيئية والخدمية دفع أعدادا متزايدة من السكان إلى مغادرة مناطقهم بحثا عن ظروف معيشية أفضل، في ظل محدودية المشاريع المنفذة التي تقتصر حاليا على إكساء بعض الطرق ومشاريع خدمية جزئية لا ترقى إلى مستوى الأزمة.

ولفت إلى وجود خطة لدى حكومة محافظة ميسان لإنشاء محطة استراتيجية لضخ المياه بطاقة تصل إلى ألف متر مكعب يوميا لتغطية المناطق المتضررة من جفاف الأنهر، مبينا أن هذا المشروع يمثل حلا حاسما للأزمة، لكنه لا يزال بانتظار استكمال الإجراءات الرسمية من قبل الحكومة المركزية.

وختم عجيل بالتأكيد على أن الإسراع بتنفيذ المشروع بات ضرورة ملحّة للحفاظ على استقرار السكان والحد من التدهور البيئي والسكاني في واحدة من أهم المناطق المنتجة للنفط في المحافظة.

تدهور التعليم والصحة والخدمات العامة

وبالحديث عن باقي مدن محافظة ميسات قال حيدر عدنان الساعدي، رئيس منظمة أبناء الأهوار الإنسانية، إن محافظة ميسان تعيش منذ عقود تدهورا واضحا في مستوى الخدمات الأساسية، يظهر بشكل خاص في ثلاثة قطاعات رئيسية هي الصحة والتعليم والخدمات العامة، رغم وجود ميزانيات كبيرة يُفترض أن تسهم في سد النقص وتحسين الواقع الخدمي.

وأوضح الساعدي لـ"طريق الشعب"، أن القطاع الصحي يعاني من غياب المستشفيات العامة في أغلب المناطق، والاكتفاء بمستوصفات لا تلبي حاجات المواطنين، فيما تشكو مستشفيات الأقضية والنواحي من نقص في الأطباء الاختصاصيين، وضعف في التجهيزات الطبية، وغياب الأجهزة الحديثة، فضلًا عن شح الأدوية، ولا سيما في أقسام الطوارئ. وأضاف أن هذا القصور يجعل المواطنين أكثر عرضة للخطر، ويصعّب عمليات الإسعاف السريع، ما يرفع احتمالات الوفاة في الحالات الحرجة، مشيرًا إلى أن ناحية المشرح تمثل نموذجًا واضحًا لنقص الخدمات الطبية في المحافظة.

وفيما يخص التعليم، أشار الساعدي إلى أن الواقع التعليمي يشهد تراجعًا كبيرًا بسبب الاكتظاظ داخل الصفوف، ونقص الأبنية المدرسية، وقلة الوسائل التعليمية، مبينًا أن البيئة التعليمية الحالية غير مهيأة لدعم الطلبة أو رفع مستوى الجودة، إذ يتجاوز عدد الطلبة في الصف الواحد في كثير من المدارس ٥٠ إلى ٦٠ طالبًا، ما يشكل عبئًا كبيرًا على الكوادر التدريسية ويؤثر سلبًا في مستوى التحصيل العلمي.

وعن الخدمات العامة، بين رئيس منظمة أبناء الأهوار الإنسانية أن شكاوى المواطنين تتكرر بشأن تهالك الطرق، ورداءة شبكات الصرف الصحي، والانقطاعات المستمرة للكهرباء والماء، إلى جانب ضعف خدمات النظافة وقلة الاهتمام بتنظيم المدن وغياب الأماكن الترفيهية. كما لفت إلى تدهور الواقع البيئي في المحافظة في ظل التصحر وزحف الكثبان الرملية والجفاف الحاد، فضلًا عن الآثار الصحية والمعيشية الناتجة عن نشاط الشركات والمعامل العاملة في القطاع النفطي.

وأكد الساعدي أن هذه المشاكل المتراكمة أثقلت كاهل المواطن الميساني، وتعكس الحاجة الماسة إلى خطط إصلاح حقيقية وسياسات خدمية فاعلة، تترجم الموازنات المرصودة إلى مشاريع ملموسة قادرة على تحسين الحياة العامة في محافظة ميسان.