في وقت تتصاعد فيه أعداد الإصابات السرطانية بمحافظة ذي قار بوتيرة مقلقة، تعمل المراكز الصحية المتخصصة عند حدود طاقتها القصوى، فيما يضطر مئات المرضى إلى خوض رحلات علاج شاقة خارج محافظتهم، بحثاً عن فحوصات أو جلسات علاج غير متوفرة محلياً.
وبين مشروع مستشفى تخصصي لم ير النور بعد، ونقص واضح في الأجهزة والاختصاصات الطبية، تتكشف ملامح أزمة صحية مركّبة تتقاطع فيها المعاناة الإنسانية مع التحديات الخدمية، وتطرح أسئلة ملحّة عن جاهزية النظام الصحي لمواجهة هذا العبء المتزايد.
10 آلاف إصابة
وأعلن رئيس لجنة الصحة والبيئة في مجلس محافظة ذي قار، د. أحمد غني الخفاجي، أن مشروع المستشفى التخصصي لمرضى السرطان، المنفذ ضمن تخصيصات شركة نفط ذي قار، بلغ نسبة إنجاز 85 في المائة، مؤكداً أن العمل مستمر لاستكماله خلال عام 2026 ودخوله الخدمة الفعلية.
وقال الخفاجي في حديث لـ "طريق الشعب"، ان هناك ارتفاعا كبيرا في أعداد الإصابات بمرض السرطان في المحافظة، إذ يقدر عدد المصابين بنحو 10 آلاف حالة، مضيفا أن هذه الأرقام جعلت هناك ضرورة للإسراع في إنجاز المستشفى، لتخفيف معاناة المرضى وتقليل أعباء السفر خارج ذي قار لتلقي العلاج.
وكان مدير مركز الحبوبي للأورام السرطانية، د. عادل العميري، قد كشف في تصريح صحفي، عن تفاصيل الطاقة الاستيعابية والخدمات الطبية التي يقدمها المركز، في ظل الارتفاع المستمر بأعداد المراجعين، مؤكداً أن المركز يعمل حالياً عند حدود طاقته القصوى لتلبية احتياجات المرضى.
الطاقة الاستيعابية لمركز الأورام
وأوضح العميري أن المركز يمتلك 70 كرسياً مخصصاً لإعطاء الجرعات الكيمياوية، إلى جانب 60 سريراً للرقود، ما يجعل الطاقة الاستيعابية الكلية تصل إلى نحو 120 مريضاً يومياً، وهي أعداد يتم التعامل معها بشكل منتظم.
وأشار إلى أن هذه الأرقام لا تشمل المرضى الذين يراجعون المركز لغرض استلام العلاجات الدوائية، مثل الكبسولات والحبوب، أو لإجراء المتابعة الدورية.
وبين أن الكوادر التمريضية المتوفرة حالياً تُعد كافية في الوقت الراهن، إذ يبلغ عددها نحو 75 ممرضاً وممرضة، إلى جانب وجود أربعة أطباء اختصاص، يعملون على ضمان استمرارية تقديم الخدمات العلاجية وفق الإمكانات المتاحة.
وفي الوقت ذاته، لفت العميري إلى وجود نقص في بعض التخصصات الطبية الحيوية، أبرزها اختصاص الأشعة والطب النوعي، مؤكداً أن هذين التخصصين غير متوفرين حالياً داخل المركز.
وخلص الى أن طبيب علاج الأشعة المتوفر يعمل بنظام جزئي، إذ يتواجد يومين في مركز الحبوبي ويومين في مستشفى الناصرية التعليمي على الأجهزة الإشعاعية، الأمر الذي يحدّ من إمكانية التوسع في تقديم الخدمات الإشعاعية داخل المركز.
ضعف برامج الكشف المبكر
وفي السياق، تقول مها عماد، طبيبة اختصاص في أحد المستشفيات الحكومية بمحافظة ذي قار، إنّ المحافظة تشهد خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا في أعداد الإصابات السرطانية، يقابله نقص واضح في البنى التحتية الصحية والخدمات التخصصية، ما يضع المرضى أمام خيارات صعبة، أبرزها السفر خارج المحافظة لاستكمال التشخيص أو العلاج.
وتضيف عماد لـ"طريق الشعب"، أن "أغلب الحالات تصل إلينا في مراحل متقدمة من المرض، نتيجة ضعف برامج الكشف المبكر، وغياب بعض الفحوصات التشخيصية المتقدمة داخل المحافظة، مثل أجهزة الطب النووي والتصوير الإشعاعي الدقيق، الأمر الذي يؤخر التشخيص ويقلل من فرص السيطرة على المرض".
وتشير إلى أن المراكز المتخصصة العاملة حالياً "تبذل جهداً كبيراً رغم محدودية الإمكانات، لكنها تعمل عند حدودها القصوى، سواء من حيث الطاقة الاستيعابية أو الكوادر التخصصية، لاسيما في مجالات علاج الأشعة، والطب النوعي، والأورام الإشعاعية، وهي اختصاصات لا غنى عنها في علاج مرضى السرطان".
وتتابع أن العبء لا يقتصر على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى الجانب الاجتماعي والاقتصادي، موضحة أن "تكاليف السفر والإقامة والعلاج خارج المحافظة تُرهق المرضى وعائلاتهم، وقد تدفع بعضهم إلى التخلي عن العلاج أو تأجيله، ما ينعكس سلباً على نسب الشفاء".
وتؤكد أن إنشاء المستشفى التخصصي لمرضى السرطان في ذي قار يمثل خطوة مهمة وضرورية، لكنها تتشدد في الوقت ذاته على أن "نجاح أي مشروع صحي لا يقاس بالمبنى فقط، بل بتوفر الأجهزة الحديثة، والملاكات المتخصصة، والأدوية النوعية، إضافة إلى برامج وقائية جادة تبحث في أسباب ارتفاع الإصابات، سواء كانت بيئية أو غذائية أو مرتبطة بالتلوث".
وتختم بالقول إن "ذي قار بحاجة إلى خطة صحية شاملة، تبدأ بالوقاية والكشف المبكر، وتمر بتعزيز المراكز الحالية، ولا تنتهي إلا بتوفير علاج متكامل داخل المحافظة، يضمن للمرضى حقهم في العلاج دون أن يتحول المرض إلى رحلة عذاب إضافية".
واقع بيئي متدهور
من جانبه، يقول الناشط البيئي سجاد ستار إن الارتفاع المتسارع في أعداد الإصابات السرطانية بمحافظة ذي قار لا يمكن فصله عن الواقع البيئي المتدهور الذي تعيشه المحافظة منذ سنوات، مؤكداً أن الأزمة الصحية الحالية هي نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال البيئي وغياب الرقابة الجدية.
ويضيف ستار في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "ذي قار تُعد من أكثر المحافظات تضرراً من التلوث، سواء الناتج عن حرق الغاز المصاحب للعمليات النفطية، أو التلوث المائي بسبب تصريف المياه الثقيلة ومخلفات الصرف الصحي غير المعالجة، فضلاً عن الاستخدام العشوائي للمبيدات الزراعية"، مشيراً إلى أن هذه العوامل مجتمعة تشكّل بيئة خصبة لانتشار الأمراض السرطانية.
ويؤكد أن "غياب الدراسات البيئية والصحية المشتركة، وعدم إعلان نتائج فحوصات التلوث بشكل شفاف، يجعل المواطنين في حالة قلق دائم، ويترك سؤال الأسباب الحقيقية لارتفاع الإصابات معلقاً دون إجابات واضحة"، لافتاً إلى أن المجتمع يدفع ثمن هذا الغموض صحياً واقتصادياً.
ويشير إلى أن الحل لا يكمن فقط في إنشاء مستشفيات جديدة، رغم أهميتها، بل يتطلب "معالجة جذرية لأسباب المرض"، تبدأ بفرض رقابة صارمة على الأنشطة الصناعية والنفطية، ومراقبة جودة المياه والهواء، وتحديث محطات المعالجة، إلى جانب إطلاق برامج توعية بيئية وصحية حقيقية.
ويعتقد ستار أن "الحق في بيئة نظيفة لا يقل أهمية عن الحق في العلاج، وإن استمرار تجاهل الملف البيئي سيجعل المستشفيات، مهما توسعت، عاجزة عن مواكبة أعداد الإصابات"، داعياً إلى تبنّي سياسة وطنية تربط بين الصحة والبيئة بوصفهما ملفاً واحداً لا يمكن فصله.
وكان مدير بيئة ذي قار، د. موفق الطائي، قد ذكر في حديث سابق لـ"طريق الشعب": أن المديرية نفذت خلال عام 2025 سلسلة إجراءات قانونية وإدارية مشددة لتعزيز الرقابة على الأنشطة البيئية وضمان التزامها بالضوابط المعتمدة، في إطار مساعي الحد من التلوث وتحسين الواقع البيئي في المحافظة.
وأوضح الطائي أن هذه الإجراءات أسفرت عن توجيه 216 إنذاراً بحق أنشطة مخالفة، إلى جانب مقاضاة 150 مخالفاً أمام محاكم التحقيق والجنح، فضلاً عن فرض غرامات مالية، وغلق أربعة أنشطة ثبت عدم التزامها بالمحددات البيئية.
وأشار إلى أن فرقاً بيئية متخصصة تواصل تنفيذ حملات رقابية ومتابعة ميدانية مستمرة للأنشطة الصناعية والتجارية والخدمية، ضمن خطة شهرية معتمدة تشمل جميع القطاعات، وتتضمن توجيه الإنذارات، وفرض الغرامات، ورفع الدعاوى القضائية بحق الجهات غير الملتزمة.
وحول ملف معامل الطابوق التي تعتمد منظومات حرق بدائية، أوضح أن وزارة البيئة سبق وأن حددت سقفاً زمنياً مدته ثلاث سنوات لأصحاب هذه المعامل، لاستبدال منظومات الحرق العاملة بالنفط الأسود بأخرى تعمل بالغاز، مبيناً أن أكثر من عام واحد قد انقضى من هذه المدة.