اخر الاخبار

في وقت تتزايد فيه شكاوى المواطنين من كلفٍ خفية تُفرض داخل الدوائر الحكومية، تعود ظاهرة الرسوم غير الرسمية لتكشف عن واحدة من أكثر حلقات الاستنزاف الاقتصادي تأثيراً على الحياة اليومية، لا سيما للفئات محدودة الدخل. هذه الممارسات، التي تُستحصل خارج الأطر القانونية ودون أي مقابل خدمي، لا تمثل عبئاً مالياً فحسب، بل تعكس خللاً عميقاً في كفاءة المؤسسات ومنظومة الحوكمة والرقابة، وبين تحذيرات اقتصادية من آثارها على الاستقرار الاجتماعي وبيئة الاستثمار، وانتقادات سياسية لغياب الإرادة في المحاسبة، وتشديد قانوني على تجريمها وضرورة حماية المبلغين، يتضح أن مواجهة هذه الظاهرة لم يعد خياراً مؤجلاً، بل استحقاقاً أساسياً لاستعادة ثقة المواطن وسيادة القانون.

ضعف الكفاءة!

وحذر الباحث الاقتصادي أحمد عيد من خطورة الرسوم غير الرسمية، واصفا إياها بأنها أحد أخطر أشكال الاستنزاف الاقتصادي غير المرئي، لما تمثله من عبء إضافي على المواطنين دون تقديم أي مقابل خدمي حقيقي.

وقال عيد أن هذه الرسوم ترفع الكلفة الفعلية للخدمات العامة خارج الأطر القانونية، ما يحولها عمليا إلى ضريبة غير معلنة تُقتطع مباشرة من دخول الأسر، ولا سيما العائلات محدودة الدخل وأصحاب الأجور اليومية.

وأشار في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن هذه الممارسات تؤثر بشكل أكبر على الفئات الهشة، إذ تقلص قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية، وتدفع بعضهم إلى الاستدانة أو تقليل الإنفاق على متطلبات ضرورية أخرى، ما ينعكس سلبا على مستوى معيشتهم واستقرارهم الاجتماعي.

ومن الناحية الاقتصادية، أكد أن انتشار الرسوم غير الرسمية يعكس ضعف كفاءة المؤسسات الحكومية وخلل منظومة الحوكمة، لا سيما في ما يتعلق بالرقابة والمساءلة ووضوح الإجراءات. وبيّن أن ربط تقديم الخدمات بالدفع غير القانوني يؤدي إلى تآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، ويقوض قدرتها على العمل وفق معايير العدالة والكفاءة، محولا الأداء الإداري من وظيفة خدمية إلى نشاط ريعي يهدف إلى تحقيق منافع شخصية.

وأضاف أن هذه الظاهرة تسهم في تعميق الاقتصاد غير المنظم، وتوسيع نطاق التعاملات النقدية خارج النظام المصرفي، ما يؤدي إلى تراجع الإيرادات العامة وتشويه المؤشرات المالية للدولة. واعتبر أن الأخطر من ذلك هو ما تبعثه هذه الممارسات من رسائل سلبية للمستثمرين المحليين والأجانب حول بيئة الأعمال، إذ ترفع من كلف المخاطرة وعدم اليقين، وتحدّ من تدفق الاستثمارات، بما يقوّض فرص تحقيق نمو اقتصادي مستدام.

الرقابة خاضعة لتوازنات سياسية!

ويقول الناشط السياسي علي القيسي إن القوى السياسية المتنفذة تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن تفشي ظاهرة الرسوم غير الرسمية، لأن نظام المحاصصة والحماية الحزبية وفر غطاءً غير معلن لبعض الفاسدين داخل مؤسسات الدولة. ويؤكد أنّ المحاسبة السياسية يجب أن تبدأ بكشف الجهات التي توفر الحماية للموظفين الفاسدين ومساءلتها أمام الرأي العام والبرلمان، لا الاكتفاء بتحميل المسؤولية للموظف الصغير.

ويضيف القيسي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن فشل الحكومات المتعاقبة في إنهاء هذه الظاهرة لا يعود إلى نقص القوانين، بل إلى غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتطبيقها، مشيراً إلى أنّ منظومة الرقابة غالباً ما تكون خاضعة للتوازنات السياسية، ما يجعلها عاجزة عن محاسبة المتورطين الكبار، فيما يُضحّى بصغار الموظفين عند تصاعد الضغط الإعلامي.

ويتابع أن المجتمع المدني والناشطين يتحملون اليوم مسؤولية كبيرة في عدم فضح هذه الممارسات، من خلال التوثيق الإعلامي، ودعم المواطنين في تقديم الشكاوى، والضغط المستمر عبر الحملات والاحتجاجات السلمية، مؤكداً أن أي إصلاح حقيقي لن يتحقق ما لم يشعر المواطن أن هناك صوتاً سياسياً مستقلاً يقف إلى جانبه في مواجهة الابتزاز والفساد.

رشوة وابتزاز وظيفي

من جهتها، تقول المحامية نورس مجيد إن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، ولا سيما المواد (307–314) الخاصة بجرائم الرشوة، والمواد المتعلقة بإساءة استعمال السلطة واستغلال الوظيفة، يجرم بشكل صريح أي طلب أو استحصال لمبالغ مالية من قبل الموظف العام دون سند قانوني.

وتضيف مجيد لـ"طريق الشعب"، أن فرض ما يسمى بالرسوم غير الرسمية داخل الدوائر الحكومية يُعد غير مشروع ويشكل جريمة يعاقب عليها القانون، لكونه يتم خارج إطار القوانين والتعليمات النافذة، ويقع ضمن توصيفات الرشوة أو الابتزاز الوظيفي أو استغلال المنصب بحسب طبيعة الفعل والظروف المحيطة به.

وتتابع المحامية أن استمرار هذه الممارسات لا يُعزى إلى غياب النصوص القانونية، بل إلى ضعف الرقابة الإدارية، وصعوبة الإثبات، وتردد بعض المواطنين في تقديم الشكاوى خوفاً من تعطيل معاملاتهم أو التعرض للضغط.

وتختتم بالتشديد على أن الحد من ظاهرة الرسوم غير الرسمية يتطلب تطبيقاً صارماً للقانون وضمان حماية المبلغين، لما لذلك من أثر مباشر في تعزيز سيادة القانون واستعادة ثقة المواطن بالمؤسسات الرسمية.