منذ ثلاث سنوات ومصير أكثر من 193 ألف خريج من ذوي المهن الطبية والصحية في العراق، معلّق نتيجة شلل آلية التعيين المركزي التي كانت تضمن سابقاً استيعابهم في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية فور تخرجهم. وبين قيود الموازنة العامة والتوسع غير المنضبط في مخرجات الكليات الأهلية، يجد هؤلاء أنفسهم ضحايا فجوة متسعة بين مخرجات التعليم واحتياجات الدولة الفعلية.
ووفقاً لتقرير صادر عن لجنة برلمانية مكلفة بملف خريجي المهن الطبية، فإن عدد الخريجين غير المعينين للسنوات 2023 و2024 و2025 بلغ 193,200 خريج من مختلف الاختصاصات الطبية والصحية. كما حدد التقرير عدد الطلبة المتوقع تخرجهم خلال السنوات الست المقبلة بنحو 500 ألف خريج، ما ينذر بتفاقم غير مسبوق للأزمة إذا لم تتخذ إجراءات جذرية لمعالجتها.
وبينما يواصل الخريجون التظاهر للمطالبة بالتعيينات دون أي تحرك جاد من السلطة لمعالجة مشكلتهم، تستمر الجامعات الحكومية، وأكثر منها الأهلية، في تخريج المزيد من ذوي تلك الاختصاصات، ما يضعهم في مصير مجهول.
نقاشات تحت قبة البرلمان
حتى سنوات قريبة، كان خريجو الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض والتخصصات الصحية الساندة يعيّنون تلقائياً ضمن وزارة الصحة، في إطار سياسة تضمن سد احتياجات القطاع الصحي. غير أن تراجع الإيرادات وتقييدات الإنفاق العام في الموازنات الأخيرة، كل ذلك أدى إلى تقليص التعيينات، بالتوازي مع تضخم أعداد الخريجين.
وتحول هذا الملف إلى أحد أبرز محاور النقاش تحت قبة البرلمان. حيث نوقش، الأسبوع الماضي، تقرير اللجنة المكلفة بالملف، بعد سلسلة اجتماعات عقدتها مع وزير الصحة ونقابات الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة والتمريض، وممثلي ذوي المهن الصحية، لبحث المعالجات الممكنة.
وصوت البرلمان الأحد من الأسبوع الماضي، على تقرير اللجنة الخاص بمعالجة أوضاع خريجي ذوي المهن الطبية والصحية. ووفقا لعضو اللجنة، النائبة زينب الخزرجي، فإن "اللجنة باشرت أعمالها في 27 كانون الثاني وعقدت اجتماعات مكثفة مع الجهات المعنية بهدف إيجاد حلول عملية لمشكلة الخريجين غير المعينين".
وأوصى تقرير اللجنة، في الجانب التنفيذي، باستيعاب الخريجين حسب الأسبقية في التخرج، وإلزام الحكومة بإصدار قرار من مجلس الوزراء لمعالجة ملف خريجي الأعوام 2023-2025، إضافة الى استيعاب الأعداد المطلوبة في المستشفيات والمراكز الصحية التابعة لوزارات ومؤسسات أخرى".
كما شدد التقرير على ضرورة الإيقاف الفوري للتوسع الحاصل في افتتاح الكليات والمعاهد والأقسام الطبية والصحية، وتحديد الأعداد وفق حاجة البلد الفعلية، لضمان إمكانية استيعاب الخريجين في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.
فوضى مخرجات الجامعات الأهلية
يرى اختصاصيون أن جوهر المشكلة لا يرتبط بالموازنة فحسب، بل بما يصفونه بـ"فوضى مخرجات" الجامعات الأهلية، التي توسعت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة. فبينما لا تقل معدلات القبول في كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة الحكومية عن 99 في المائة في كثير من الأحيان، تراجعت المعدلات المطلوبة في الجامعات الأهلية إلى نحو 79 في المائة، ما أدى إلى استقطاب أعداد كبيرة من الطلبة بدافع الربح المالي - وفق أكاديميين.
يقول الأستاذ الجامعي محمد الفتلي، وهو تدريسي في إحدى الكليات الطبية الحكومية، أن "التوسع غير المدروس في منح رخص إنشاء الكليات الأهلية وتخفيف معايير القبول، أدى الى تخريج أعداد تفوق بكثير حاجة السوق"، مضيفاً في حديث صحفي قوله أن "القطاع الصحي لا يستطيع استيعاب هذا الزخم من الخريجين سنوياً، في ظل محدودية البنى التحتية والملاكات الممولة مركزياً".
ويحذر الفتلي من أن "استمرار هذا النهج سيؤدي الى بطالة مقنعة داخل القطاع الصحي"، داعياً الى "إعادة النظر في سياسات القبول، ووضع ضوابط صارمة تراعي الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الصحية، وتربط بين التخطيط التعليمي وحاجة الدولة الفعلية".
قلق وإحباط
في المقابل، يعيش آلاف الخريجين حالة من القلق والإحباط، بفعل انعدام فرص تعيينهم، بعد أن كانت سابقا شبه مؤكدة في التعيين المركزي. إذ تقول الصيدلانية غفران محمد، وهي خريجة كلية حكومية عام 2024، إنها تقدمت إلى فرص عمل عدة في القطاع الخاص، لكن الرواتب متدنية ولا تتناسب مع سنوات الدراسة والكلف المالية التي تكبدتها الأسرة".
وتبيّن في حديث صحفي أن "الدولة كانت تشجعنا على دخول هذه التخصصات بدافع الحاجة إليها، ثم وجدنا أنفسنا بلا فرص عمل".
وشهدت السنوات الأخيرة ظاهرات واعتصامات نظمها خريجو مهن طبية وصحية في بغداد وعدد من المحافظات للمطالبة بحقهم في التعيين. وتضع هذه الأزمة الحكومة أمام معادلة معقدة، بين الحاجة إلى ضبط الإنفاق العام من جهة، وضمان عدم انهيار الثقة في المسار التعليمي والمهني للشباب من جهة أخرى. بينما يرى مراقبون أن أي حل مرحلي عبر التعيينات الاستثنائية لن يكون كافياً ما لم يترافق مع إصلاح هيكلي في سياسات الترخيص ومعايير القبول، وإشراك القطاع الخاص بشكل منظم في استيعاب الخريجين، إضافة الى تطوير البنى التحتية الصحية بما يواكب الزيادة السكانية.