اخر الاخبار

يقف العراقيون اليوم أمام مشهد اقتصادي غير مألوف.. منازل معروضة للبيع بلا مشترين، معارض سيارات تزدحم بالمتفرجين وتخلو من صفقات البيع والشراء، وأسعار تتحرك أسرع من قدرة الناس على اللحاق بها!

تذبذب سعر الدولار وقفزات سعر الذهب وتأخر الرواتب، وأزمات اقتصادية ومعيشية حادة تلوّح في الأفق، كلها عوامل اجتمعت لتجمّد حركة البيع والشراء في أسواق مهمة.

ويتجه المواطنون اليوم إلى تبنّي سلوك إنفاق متحفظ، مدفوعين بالقلق من تذبذب الأوضاع الاقتصادية وعدم استقرار الدخل. إذ يضطرون إلى تأجيل قرارات الشراء الكبيرة، كاقتناء السيارات أو العقارات أو الدخول في التزامات مالية طويلة الأمد. ويعكس هذا التوجه حالة ترقّب وحذر تسود السوق. حيث يتم تفضيل الاحتفاظ بالسيولة النقدية بدل ضخّها في استثمارات أو مشتريات مكلفة، تحسبًا لأي تطورات اقتصادية غير متوقعة.

وكان مجلس محافظة بغداد قد عزا ركود سوق العقار في العاصمة إلى ارتفاع مبالغ الغرامات والضرائب على المنازل المقسّمة، مشيراً في تصريح صحفي إبان كانون الأول 2025، إلى قرب استكمال توصيات تتضمن تخفيض غرامة تقسيم المنازل من خمسة ملايين إلى 250 أو 500 ألف دينار، فضلاً عن فرض الضريبة على المساحة المباعة فقط وليس على كامل قطعة الأرض الأصلية، في محاولة لمعالجة هذا الركود.

في انتظار استقرار الدولار

المواطن أبو أحمد، يقول في حديث صحفي أنه منذ أكثر من أربعة شهور عرض بيته للبيع بسبب ظروف مادية، وحتى اليوم لم يأت شخص جاد للشراء، مضيفا في حديث صحفي أن كل من يسأل عن المنزل يتراجع عندما يعرف السعر، أو يقول ننتظر حتى تستقر أسعار الدولار.

ويشير إلى ان المنزل في السابق لم يكن يبقى معروضاً لأكثر من شهر، أما اليوم فالسوق شبه متوقف.

مقامرة غير محسوبة

يعزو خبراء هذا الركود إلى تذبذب سعر صرف الدولار مقابل العملة العراقية، وارتفاع سعر الذهب، ما يجعل بيع وشراء العقارات والسيارات مقامرة غير محسوبة.

في هذه الصدد، يقول الخبير الاقتصادي مصطفى فرج، أن "هناك علاقة طردية بين سعري الذهب والدولار. فالذهب معدن يُسعَّر بالدولار، وإذا هبط سعر الدولار ارتفع سعر الذهب، والعكس صحيح".

ويوضح في حديث صحفي أن "العراق بلد ريعي ويعتمد على الاستيراد إلى حد كبير. لذا يتأثر بشكل مباشر بسعر الدولار، خاصة في مجال السيارات التي يتم استيرادها بالعملة الصعبة"، مضيفا قوله أن "الأمر ينسحب أيضا على أسعار المنازل. فالدولار يتحكم بالسوق العراقي بشكل كبير".

ويتابع قائلا أن "عمليات بيع العقارات تشهد حالياً حالة من الركود، ستستمر خلال الفترة المقبلة"، منوّها إلى أن "وضع الاقتصاد العراقي صعب، لوجود نقص في السيولة المالية، ما يؤدي إلى تأخير صرف رواتب موظفي الدولة".

وبحسب فرج فإن "العديد من الناس لجأوا إلى الاستثمار بالذهب وفقاً للمعطيات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة. لذا أصبح الطلب شديداً على شرائه، ما ساهم في ارتفاع أسعاره. يُضاف إلى ذلك عدم ثقة المواطنين في المصارف الحكومية. إذ ان خوف المواطن من الاحتفاظ بأمواله في المصارف يدفعه نحو استثمارها في الذهب".

شلل البيع والشراء

يشكو أصحاب مكاتب عقارات ومعارض سيارات من الركود والشلل الذي أصاب أعمالهم خلال الفترة الماضية.

إذ يؤكد رضوان الياسري، صاحب معرض سيارات في منطقة البياع ببغداد، أنه وزملاؤه يعانون توقف شبه تام لعمليات بيع السيارات، لافتا في حديث صحفي إلى أن "ساحة البيع المباشر كانت تشهد أيام الجمع ازدحاماً شديداً، وتكون سوق السيارات في أوج نشاطها، إلا أن الأسابيع الأخيرة لم تشهد عمليات بيع وشراء إلا بشكل نادر".

ويضيف قائلا أن "تراجع عمليات بيع وشراء السيارات مرتبط بعوامل عدة، منها ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين، وازدياد التضخم، فضلاً عن الرسوم الكمركية العالية المفروضة على استيراد السيارات، وحظر استيراد السيارات غير المطابقة للمواصفات، إضافة إلى تذبذب أسعار صرف الدولار"، مشيرا إلى أن "هذه الأسباب جميعها أدت إلى ارتفاع أسعار السيارات، وجعلت المواطنين يترددون في الإقدام على بيعها أو شرائها".

وينوّه إلى أن "المواطنين لم يعودوا يشترون السيارات الجديدة كما في السابق. إذ انخفضت نسبة بيعها إلى مستويات تقترب من الصفر، واتجه المستهلكون إلى شراء السيارات المستعملة".

أما أصحاب مكاتب بيع وشراء وتأجير العقارات، فمعاناتهم مماثلة لمعاناة أصحاب المعارض. إذ يقول عبد الحسن كاظم، صاحب مكتب عقار في حي الجهاد ببغداد، أن آخر عملية بيع منزل عبر مكتبه تمت قبل أكثر من شهرين.

ويوضح في حديث صحفي أن نشاطه حالياً يقتصر على تأجير البيوت وتنظيم عقود الإيجار، مبيناً أن تذبذب سعر صرف الدولار وضعف القدرة الشرائية وراء ركود مختلف القطاعات في الوقت الحاضر.

تآكل القدرة الشرائية

وفق اختصاصيين، فإن الركود الحالي في عمليات البيع والشراء في قطاعي العقارات والسيارات ليس حدثاً عابراً، بل قد يكون مؤشراً بعيد المدى على تراجع الاقتصاد المحلي.

وعن ذلك يقول رئيس "مؤسسة أصول" للتطوير الاقتصادي، خالد الجابري، أن "ما يشهده الاقتصاد اليوم ليس تباطؤاً عابراً، إنما انكماش فعلي في الطلب، ناتج عن تآكل القدرة الشرائية للمواطن بفعل تأخير الرواتب، وارتفاع الرسوم الكمركية، وتيبّس السيولة في الأسواق".

ويلفت في حديث صحفي إلى أن "هذا الواقع دفع الأسر إلى نمط إنفاق شديد التحفظ، انعكس على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها العقار ومواد البناء. حيث نرى جموداً واسعاً في حركة البيع والشراء، ليس بسبب انهيار القيمة، بل بسبب غياب المشتري القادر".

ويبيّن الجابري، أن "السيارات، بوصفها أصولاً استهلاكية، تأثرت سريعاً وبشكل مباشر، لأنها انفاق مؤجل عند أول صدمة دخل وليست ملاذاً ادخارياً. أما العقار، فرغم احتفاظه بالقيمة الاسمية، إلا انه دخل مرحلة الشلل التداولي. حيث تتصلب الأسعار وتختفي الصفقات".

ويشير إلى ان "شريحة العرسان الجدد، وهي من أهم محركات الطلب على الذهب والسكن والأثاث ومواد البناء، اصطدمت بأسعار لا تنسجم مع قدراتها الشرائية، ما أفرز آثاراً اجتماعية واقتصادية مضاعفة، تمثلت في تأجيل الزواج أو تقليص متطلباته، وانكماش سلسلة كاملة من الأسواق المرتبطة به".

ويحذّر الجابري من أن "تعطّل الزواج، وتيبّس العقار، وتآكل الطبقة المتوسطة، ليست ظواهر اجتماعية فحسب، بل مؤشرات اقتصادية خطيرة، إن لم تُعالج بأدوات دقيقة، فقد تتحول إلى ركود مزمن".