مع حلول شهر رمضان، تتجدد قيم التكافل والتراحم بين المواطنين، غير أن هذا الشهر يكشف، في الوقت نفسه، عن أعباء معيشية مضاعفة تتحملها النساء، سواء في البيوت أم في مواقع العمل. وبين ضغوط الغلاء، وتراجع الخدمات، وضعف رواتب الرعاية الاجتماعية، تجد كثير من النساء أنفسهن في مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية تتفاقم خلال هذا الشهر.
غلاء الأسعار
تقول المواطنة أم سجاد، ربة بيت من بغداد، إن رمضان هذا العام "جاء مثقلًا بالأسعار المرتفعة". وتوضح: "كل يوم أذهب إلى السوق وأتفاجأ بزيادة جديدة في الأسعار، خاصة اللحوم بسبب فرض الضرائب. أحاول أن أوازن بين احتياجات المنزل ودخلنا المحدود، لكن الوضع أصبح أكثر صعوبة خلال شهر رمضان".
وتعكس شهادة أم سجاد معاناة آلاف الأسر ذات الدخل المحدود، حيث تتحمل النساء مسؤولية إدارة ميزانية الأسرة في ظل تآكل القدرة الشرائية وغياب الرقابة الفاعلة على الأسواق، ما يجعل من مائدة الإفطار عبئًا يوميًا بدل أن تكون مساحة للفرح والطمأنينة.
المرأة العاملة بين ضغط الدوام وواجبات البيت
ولا يقل واقع النساء العاملات صعوبة. تقول المواطنة هاجر حامد، موظفة في إحدى المؤسسات الحكومية، لـ"طريق الشعب" إن رمضان "يضاعف المسؤولية". وتتابع: "بعد انتهاء دوامي وعودتي إلى المنزل، أدخل مباشرة إلى المطبخ لإعداد الفطور. لا يوجد وقت للراحة، وأحيانًا أشعر أنني أعمل في وظيفتين". وتشير هاجر إلى أن تقاسم الأدوار داخل الأسرة ما يزال محدودًا في كثير من البيوت، ما يضع العبء الأكبر على المرأة.
أما المواطنة هناء علي، التي تعمل في مركز تجاري، فتلفت الانتباه إلى أن ساعات العمل المسائية تحرمها من أجواء الإفطار العائلية. وتقول: "القطاع الخاص يفرض علينا العمل لساعات طويلة، الأمر الذي حرمني من مشاركة عائلتي الأجواء الرمضانية. أطالب برقابة أكبر على ظروف العمل في القطاع الخاص وضمان حقوق العاملات".
الأرامل والمطلقات معاناة مضاعفة
ولدى النساء المعيلات لأسرهن تبدو صورة رمضان مختلفة. تقول المواطنة أم مصطفى، أرملة وأم لثلاثة أطفال، إن الشهر "يحمل قلقًا أكثر من الفرح". وتضيف: "أحاول أن أوفر كل شيء بيدي، وأعد الخبز والحلويات في البيت من أجل التقليل من المصاريف التي ارتفعت خلال شهر رمضان".
وتؤكد أن المساعدات الخيرية، وإن وُجدت، تبقى موسمية ولا تغني عن حلول جذرية. وتقول: "نحتاج إلى فرص عمل حقيقية وضمان اجتماعي يحفظ كرامتنا".
وفي السياق ذاته، تنتقد أم مصطفى بعض الإجراءات الحكومية الأخيرة، مشيرة إلى قرار عدم استقطاع القروض الشهرية عن المواطنين المقترضين من المصارف الحكومية خلال رمضان. وتقول إن أغلب الأسر المقترضة لديها راتب حكومي ثابت تعتمد عليه لتلبية متطلبات أسرها اليومية، "لكن ما حال الأسر التي لا تمتلك سوى راتب الرعاية الاجتماعية الذي لا يتجاوز 250 ألف دينار شهريًا؟".
وتضيف بنبرة احتجاج: "الحصة التموينية لهذا الشهر متأخرة، وحتى الآن لم نستلمها على الرغم من انتهاء الأسبوع الأول من شهر رمضان. المفترض أن يتم التركيز على الأسر الأفقر وضمان وصول مفردات البطاقة التموينية في وقتها، لا الاكتفاء بإجراءات يستفيد منها أصحاب الرواتب الثابتة".
أما المواطنة نور، مطلقة وتعيل طفلتين، فتشير إلى أن مسؤوليات الإيجار والطعام وتلبية متطلبات الأطفال تتراكم في رمضان. وتقول: "أحيانًا أحتار بين دفع الإيجار أو شراء ملابس العيد لبناتي، أطالب بتوسيع مظلة الرعاية الاجتماعية لتشمل النساء المعيلات بشكل عادل، وضمان انتظام توزيع مفردات البطاقة التموينية دون تأخير".
بين القيم الروحية والعدالة الاجتماعية
ورغم قسوة الواقع، تؤكد النساء أن رمضان يبقى شهرًا للقيم الإنسانية، لكنه يحتاج إلى سياسات أكثر عدالة كي تتحقق معانيه على أرض الواقع. تقول زينب كاظم، طالبة جامعية: "رمضان ليس فقط أكلًا وزينة، بل ينبغي أن يكون فرصة تعيد النظر في علاقاتنا داخل الأسرة، ويُعاد فيها توزيع المسؤوليات على جميع أفراد الأسرة، لا أن تقتصر على البنت أو الأم".
وترى ناشطات في مجال حقوق المرأة أن تحسين واقع النساء في رمضان، وفي غيره من الشهور، يرتبط بمعالجات اقتصادية جادة تبدأ بضبط الأسعار، وضمان حقوق العاملات، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وانتظام توزيع الحصة التموينية، وصولًا إلى دعم فعلي للأسر التي تعيش تحت خط الفقر.
ففي بلد يعاني أزمات اقتصادية متراكمة وتفاوتًا اجتماعيًا واضحًا، يبقى تحقيق العدالة الاجتماعية شرطًا أساسيًا لصون كرامة المرأة وتمكينها. وبين قدسية الشهر وضغوط المعيشة، تواصل المرأة نضالها اليومي، مطالبة بسياسات تنحاز للفئات الأكثر هشاشة، وتضع احتياجاتها في صدارة الأولويات.