تميزت الفترة التي نشأ أو تأسس فيها الحزب الشيوعي العراقي بأقسى وأسوأ الظروف التي عاشها الريف العراقي، وتحديداً خلال عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. وعلى الرغم من أن الريف كان يمثل في تلك الفترة نحو (60 في المائة) من مجموع سكان العراق، فإنه كان يعاني تخلفاً شاملاً في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والثقافية والخدمية والبيئية والصحية والتعليمية.
ويعود ذلك إلى سيطرة الإقطاع والملاّكين على أكثر من (80 في المائة) من الأراضي الزراعية في مختلف مناطق العراق، في حين أن نحو (85 في المائة) من سكان الريف لم يكونوا يمتلكون شيئاً. وقد استفاد الإقطاعيون والملاّكون من ثلاثة قوانين أساسية تحكمت في مصير الريف العراقي، هي: قانون التسوية رقم 50 لسنة 1932، وقانون التسوية رقم 36 لسنة 1938، فضلاً عن قانون دعاوى العشائر الصادر عام 1918، الذي منح سلطة شبه مطلقة للإقطاعيين والملاّك وشيوخ العشائر، ليس فقط اقتصادياً بل اجتماعياً أيضاً.
في ظل هذه الظروف نشأ الحزب الشيوعي العراقي، الذي عمل، انطلاقاً من فهمه للنظرية الماركسية، على أن قضية الأرض هي الأساس المتحكم في بنية الريف، كونها مصدر التراكم الاقتصادي. لذلك بذل جهوداً كبيرة في الريف العراقي عبر عدة محاور، من أبرزها:
أولاً: تنمية الوعي لدى الفلاحين بقضية جوهرية مفادها أن “الأرض لمن يفلحها”. وقد جند الحزب رفاقه العاملين في المناطق القريبة من الريف وقراه، مما أسهم في منح الفلاحين الجرأة للمطالبة بحقوقهم. إذ كانت حصة الفلاح من المحصول لا تتجاوز الربع، يُستقطع منها نصيب “السركال” ومضيف الإقطاعي والحراسة، ليبقى الفلاح في نهاية الموسم عاجزاً عن تأمين قوت عائلته، فضلاً عن أعمال السخرة في أراضي الإقطاعيين ومعسكرات الجيش البريطاني. لذا كانت الخطوة الأولى للحزب هي توسيع تنظيماته في الريف ونشر الوعي بقضية الأرض.
ثانياً : العمل على نشر وتوسيع النشاط الديمقراطي في الريف. وقد شكلت مبادرة الشهيد سلام عادل بتأسيس “جمعيات أصدقاء الفلاح” في أرياف الناصرية والعمارة خطوة مهمة مهدت لتأسيس جمعيات فلاحية سرية وعلنية، خاصة بعد نجاح ثورة 14 تموز. وبتوجيه من قيادة الحزب، جرى تشكيل لجان لزيارة القرى، ما أسهم في انضمام أكثر من (300) ألف فلاح إلى نحو (3000) جمعية فلاحية.
ومن المهم الإشارة إلى “الموضوعات الزراعية” التي أعدها الشهيد سلام عادل عام 1962، والتي كانت مهيأة للمؤتمر الثاني للحزب، وشكلت خلاصة تجربة السنوات السابقة. وقد ركزت على العمل مع فقراء الفلاحين، ورفع مطالبهم عبر التنظيم الديمقراطي، وتوسيع القاعدة الحزبية بينهم، فضلاً عن تأهيل الكوادر الفلاحية وتطوير كفاءتها، وتحسين أداء المكاتب الفلاحية ولجان الريف، وزيادة اهتمام المحليات بالعمل الريفي.
كما أكدت تلك الموضوعات ضرورة الاهتمام بالجمعيات الفلاحية المجازة التي يمتلك الحزب تمثيلاً فيها، والعمل على تطوير أدائها.
ثالثاً: إدراك الحزب أن قضية الأرض تمثل محور الصراع الطبقي في الريف، لذا أولى لها اهتماماً كبيراً. وبعد نجاح ثورة 14 تموز، ساهم في إعداد وكتابة مسودات قانون الإصلاح الزراعي رقم (30) لسنة 1958، من خلال لجنة ضمت عدداً من أعضاء اللجنة المركزية وكوادر متخصصة، كان من بينهم الرفيق زكي خيري. كما ساهم في دعم قانون الإصلاح الزراعي رقم 117 لسنة 1970، وفي الجهود الرامية إلى إلغاء قانون دعاوى العشائر لعام 1918.
وقد لمس الفلاحون هذه الأدوار بشكل مباشر، إلى جانب إسهامات عدد من الكوادر والكتّاب الشيوعيين مثل عزيز سباهي، وحكمت الفرحان، وكاظم حبيب، وكاظم فرهود (أبو قاعدة)، وزكي خيري، إضافة إلى الدور القيادي للشهيدين فهد وسلام عادل، وما طرحته مؤتمرات الحزب من برامج أسهمت في تطوير الوعي الفلاحي.
رابعاً: الانتفاضات الفلاحية، ومنها انتفاضة آل أزيرج، وانتفاضة القسمة في الشامية، وانتفاضة الحي، وكذلك انتفاضة قلعة دزه. وقد أسهمت مشاركة الشيوعيين فيها وتقديمهم التضحيات في دفع الوعي الفلاحي خطوات متقدمة. ويضاف إلى ذلك دورهم في التظاهرات التي شهدتها مناطق الفرات الأوسط والكوت والجنوب خلال عامي 2024–2025، للمطالبة بحقوق الفلاحين، بدءاً من مستحقات المحاصيل، وصولاً إلى وضع خطط زراعية متكاملة وتوفير مستلزماتها والحصص المائية اللازمة.
أن دور الحزب الشيوعي العراقي في رفع مستوى الوعي الفلاحي في الريف كان دوراً رائداً ومتميزاً، إن لم يكن من أوائل الأدوار الحزبية التي أسهمت في دعم النضالات الفلاحية. ومن حق أعضائه ومناصريه الاحتفاء بهذه التجربة في الذكرى الثانية والتسعين لتأسيسه.