في وقت تتكرر فيه الوعود بإصلاح القطاع الصحي، يكشف الواقع داخل المستشفيات عن صورة مقعدة، لا تختزلها مشكلات الاكتظاظ أو نقص المستلزمات فحسب، بل تمتد إلى اختلالات أعمق في بنية النظام الصحي واليات إدارته، ومن ردهات الطوارئ المزدحمة إلى المؤسسات التخصصية المثقلة بالتحديات، تتداخل الأزمات لتشكل مشهدا يوميا يعكس فجوة واضحة بين ما يعلن من خطط تطوير، وما يتحقق فعلياً على الأرض، في ظل ضغط متزايد على الكوادر وضعف في الاستجابة لاحتياجات المرضى.
"زخم المراجعين يؤثر في مستوى الخدمة"
توضح الممرضة الماهرة ميلاد إبراهيم، التي تعمل في أحد المستشفيات الحكومية ببغداد، أن الاكتظاظ داخل أقسام الطوارئ، يؤثر على كفاءة تقديم الخدمة، حيث يجد الكادر التمريضي نفسه أمام مسؤوليات متزايدة تتجاوز طاقته، في ظل التعامل مع حالات متفاوتة الخطورة ضمن مساحة ووقت محدودين.
وعلى الرغم من هذا الضغط، تشير إبراهيم في حديث لـ "طريق الشعب" إلى أن المستشفى الذي تعمل فيه لا يعاني بشكل مستمر من نقص في الأدوية أو المستلزمات الطبية، مؤكدة أن توفرها يعد مقبولا في معظم الأحيان، خاصة داخل ردهات الرقود، ونادراً ما يُطلب من المرضى شراء العلاجات من خارج المؤسسة الصحية.
لكن في المقابل، يبقى التحدي الأكبر وفقاً لتوصيفها مرتبطاً بغياب خطوات تطويرية واضحة أو خطط فعالة من الجهات المعنية، تهدف إلى تخفيف الضغط عن المستشفيات أو إعادة تنظيم مسار استقبال المرضى، بما يضمن توزيعا أكثر توازنا للخدمات الصحية.
وعلى مستوى الكوادر التمريضية، تبرز مجموعة من التحديات اليومية التي تثقل كاهل العاملين في هذا القطاع، في مقدمتها النقص في أعداد الممرضين، ما يؤدي إلى زيادة عبء العمل بشكل ملحوظ، خاصة في ظل طبيعة المهنة التي تتطلب جهداً بدنياً ونفسياً عالياً.
وتضيف أن الضغوط لا تقتصر على بيئة العمل، بل تمتد إلى الجوانب الوظيفية، حيث يشكو الممرضون من إيقاف العلاوات والترفيعات بسبب عدم إقرار الموازنة، فضلا عن انخفاض مستوى الرواتب مقارنة بساعات العمل الطويلة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار المهني والدافعية داخل هذا المجال الحيوي.
القطاع الصحي متهالك.. والحكومة تكتفي بالوعود؟
من جهته، يقول الدكتور زهير العبودي، إن تدهور القطاع الصحي في العراق لم يعد خافياً على أحد، مشيراً إلى أن المؤسسات الصحية لا تزال تعاني من تهالك واضح، رغم سنوات من الوعود الحكومية بالإصلاح.
ويوضح لـ"طريق الشعب"، أن العديد من المستشفيات التي أُعلن عن إنشائها منذ أكثر من عقد، ما تزال حتى اليوم قيد الإنجاز، في مشهد يعكس تعثراً مزمناً في استكمال المشاريع الحيوية.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود الأبنية غير المكتملة، بل تتجاوزها إلى نقص حاد في الكوادر الطبية والتجهيزات الأساسية. فبحسب العبودي، لا يمكن اختزال مشكلة القطاع الصحي في البنية التحتية فقط، إذ إن المستشفى منظومة متكاملة تتطلب أجهزة حديثة، ومواد طبية متوفرة، وكوادر مؤهلة قادرة على تشغيل هذه المنظومة بكفاءة.
ويضيف أن التحدي الأكبر يكمن في عدم كفاية الكوادر مقارنة بحجم الحاجة الفعلية، الأمر الذي يضع ضغط على العاملين في القطاع، ويؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة للمرضى.
ويشير إلى أن نقص الأجهزة والمستلزمات الطبية يفاقم من معاناة المؤسسات الصحية، ويجعلها عاجزة عن تلبية أبسط الاحتياجات.
ويرى العبودي أن اعتراف بعض الشخصيات السياسية بوجود خلل في تلبية احتياجات المواطنين، يعكس حجم الأزمة التي يعيشها البلد، خصوصاً في ما يتعلق بملف التوظيف وتوفير الخدمات الأساسية.
ويؤكد أن المواطن لا يزال بعيداً عن مستوى الرفاه الذي يفترض أن توفره الدولة، في ظل استمرار التحديات التي تواجه القطاعات الحيوية، وعلى رأسها القطاع الصحي.
وينبه إلى أن العاملين في المجال الصحي يلمسون هذه الأزمات بشكل يومي، بحكم احتكاكهم المباشر مع الواقع، ما يجعلهم أكثر إدراكا لحجم الفجوة بين ما يعلن من إصلاحات، وما يتحقق فعلياً على الأرض.
ازمات لها بداية ولا تنتهي
وتصف طبيبة تعمل داخل مستشفى الرشاد للامراض النفسية، فضلت عدم الكشف عن اسمها، الواقع بوضوح قاس، مؤكدة أن الخلل متشعب ولا يقتصر على جانب واحد، بل يمتد ليشمل الكوادر الطبية، والبنى التحتية، وحتى طبيعة البرامج العلاجية المقدمة، ما جعل المؤسسة عاجزة عن أداء دورها العلاجي بالشكل المطلوب.
وتبدأ الأزمة، بحسب حديثها لـ"طريق الشعب"، من النقص الحاد في عدد الأطباء، إذ لا يتجاوز عددهم عشرة فقط، وهو رقم لا يتناسب مع حجم المستشفى وعدد المرضى الراقدين. هذا النقص يفرض على الطبيب الواحد متابعة أكثر من ردهة، في وقت تضم فيه كل ردهة ما يزيد على سبعين مريضاً، ما يجعل المتابعة الدقيقة شبه مستحيلة، ويحوّل الرعاية إلى استجابة عامة تفتقر للتفاصيل الفردية التي تتطلبها الحالات النفسية.
وتضيف أن هذا الواقع يعكس مشكلة أوسع، تتمثل في قلة الإقبال على اختصاص الطب النفسي في العراق، رغم محاولات وزارة الصحة تقديم امتيازات لتشجيع الأطباء على التوجه إليه، إلا أن هذه الخطوات، بحسب وصفها، لم تنجح حتى الآن في سد الفجوة المتزايدة.
ولا تتوقف التحديات عند حدود الكادر الطبي، إذ تشير إلى أن البنى التحتية للمستشفى ما تزال قديمة ومتهالكة، إلى جانب ضعف واضح في مستوى الخدمات الرعائية المقدمة للمرضى. فالحالات النفسية، كما توضح، تحتاج إلى متابعة لصيقة ورعاية خاصة، يُفترض أن يخصص لها مرافق لكل عشرة مرضى، غير أن هذا الأمر يبدو بعيداً عن الواقع، في ظل غياب شبه تام للمرافقين عن أغلب الحالات.
وفي سياق متصل، تحمل الطبيبة وزارة الصحة مسؤولية استمرار هذا التدهور، لافتة إلى أن المستشفى لم يشهد تغييرات جوهرية منذ سنوات طويلة، رغم الحاجة الملحة لإعادة تأهيله.
الاطباء يزورون المرضى مرة واحدة اسبوعيا؟
وتشير إلى وجود مشاريع لإنشاء مركزين جديدين، إلا أنها ما تزال في مراحل التنفيذ، دون أثر ملموس على الواقع الحالي.
وبشأن آلية المتابعة، تشير إلى أن تقييم الحالات يعتمد بدرجة كبيرة على ملاحظات المرضى أنفسهم، وتحديداً من قبل مسؤول الردهة ورديفه، في حين تقتصر زيارات الأطباء على مرة أو مرتين أسبوعياً، وهو ما لا يتناسب مع حجم الحالات وتعقيدها.
ورغم هذا الواقع، تصف الطبيبة بيئة المستشفى بأنها تحمل إمكانيات كامنة، فهو أشبه بمدينة صغيرة، تتوزع فيها الردهات بين أقسام الرجال والنساء، وتتخللها مساحات خضراء وبحيرة، ما كان يمكن أن يشكل بيئة علاجية داعمة لو أُحسن استثمارها، بدلاً من بقائها مجرد مساحة مغلقة يقضي فيها المرضى فترات طويلة.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن استمرار الوضع الحالي يعني بقاء المرضى في دائرة مغلقة من العزل والعلاج الدوائي، دون فرص حقيقية للتعافي، مشددة على الحاجة العاجلة إلى زيادة الكوادر، وتفعيل برامج تأهيل شاملة، تعيد للمؤسسة دورها الأساسي في العلاج، لا الاحتواء فقط.