اخر الاخبار

في الأزقة التجارية المكتظة وسط بغداد، وتحديداً في أسواق الشورجة وجميلة والكفاح وبعض المناطق المتفرقة، تنمو يومياً سوق مالية موازية بعيدة عن أعين المؤسسات الرسمية. ففي هذه السوق لا يحتاج المواطن إلى معاملات مصرفية معقدة أو كفيل أو انتظار طويل للحصول على المال، بل يكفي اتصال هاتفي أو توصية من وسيط محلي للحصول على قرض نقدي فوري، مقابل فوائد مرتفعة وشروط قد تتحول لاحقاً إلى كابوس اجتماعي ونفسي.

هذه الظاهرة، التي باتت تُعرف شعبياً بـ"قروض الربا"، لم تعد حالات فردية أو محدودة، إنما تحولت إلى نظام ائتماني غير رسمي يدير جزءا واسعا من السيولة النقدية خارج رقابة الدولة.

وبينما تعجز المصارف الرسمية عن استيعاب طلبات الشرائح الفقيرة وذوي الدخل المحدود، تتوسع شبكات الإقراض الشعبية لتملأ الفراغ، مستفيدة من البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية.

ولا تقتصر أنشطة الائتمان الشعبي غير الرسمي على أسواق بغداد التجارية، بل تمتد إلى المناطق الأخرى في العاصمة، فضلا عن بقية المحافظات. حيث تنشط شبكات إقراض غير مرخصة عبر مكاتب صيرفة أو واجهات تجارية مختلفة، تستغل حاجة المواطنين للسيولة في ظل تعقيدات القروض الرسمية وضعف القدرة الشرائية.

ويؤكد مراقبون أن هذه الجهات تمنح مبالغ مالية مقابل فوائد مرتفعة تُحتسب بصورة يومية أو شهرية. فيما يلجأ بعضها إلى مضاعفة المبالغ المترتبة عند تأخر المقترض عن السداد، ما يوقع الكثيرين في دوامة ديون متراكمة يصعب الخروج منها. وغالبا ما تُستخدم المستمسكات الرسمية أو البطاقات الإلكترونية والكمبيالات كضمانات لإجبار المقترضين على الالتزام بالسداد، ما يفتح الباب أمام ضغوط ومشكلات اجتماعية وقانونية متزايدة.

ورغم الإجراءات الأمنية التي تُنفذ بين فترة وأخرى، بما في ذلك مداهمات وإغلاق بعض المكاتب المخالفة، إلا أن هذه الأنشطة لا تزال مستمرة بأشكال متعددة، مستفيدة من اتساع الطلب على الاقتراض السريع وضعف البدائل الرسمية.

ويرى اختصاصيون أن اتساع هذه السوق يعكس اختلالاً هيكلياً عميقاً في النظام المالي العراقي. حيث يجد آلاف المواطنين أنفسهم مضطرين للجوء إلى المرابين لتغطية نفقات العلاج أو الزواج أو الإيجار أو حتى الاحتياجات اليومية.

ويلفتون إلى أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الحملات الأمنية فقط، بل تتطلب إصلاحات اقتصادية ومصرفية أوسع، تشمل تسهيل القروض القانونية، وتشديد الرقابة على مكاتب الصيرفة، وتوفير شبكات حماية مالية تحدّ من لجوء المواطنين إلى هذا النوع من الإقراض عالي المخاطر.

سوق الائتمان الشعبي

الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد، يقول في حديث صحفي أن "العراق شهد خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في ما يمكن تسميته بسوق الائتمان الشعبي. وهو نظام مالي غير رسمي نشأ نتيجة الاختلالات البنيوية في القطاع المصرفي وضعف الشمول المالي وارتفاع معدلات البطالة والفقر".

ويضيف قائلا أن "هذه السوق تعتمد على شبكات إقراض خارج الرقابة الرسمية، تقدم قروضاً سريعة للمواطنين مقابل فوائد مرتفعة وشروط قاسية، خصوصاً في المناطق التجارية والشعبية مثل الشورجة وجميلة".

وبحسب مراقبين، فإن سهولة الوصول إلى هذه القروض مقارنة بالإجراءات المصرفية التقليدية جعلتها الخيار الأسرع للفئات الهشة، رغم الكلفة الباهظة التي يدفعها المقترض لاحقاً.

مضاعفة الفوائد

غالباً ما تُفرض فوائد شهرية متراكمة تؤدي إلى تضاعف أصل الدين خلال فترات قصيرة، ما يدخل المقترضين في دوامة يصعب الخروج منها.

ويحذر عيد من أن "خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في الجانب الاقتصادي، بل في تداعياتها الاجتماعية أيضاً. إذ تحولت الديون في كثير من الحالات إلى مصدر ضغط نفسي وتفكك أسري ومشكلات قانونية وعشائرية، خاصة مع عجز بعض المقترضين عن السداد نتيجة تراجع الدخول وغياب الحماية القانونية".

ويشير إلى أن "توسع الإقراض غير الرسمي يعكس وجود فجوة حقيقية بين المواطنين والمؤسسات المصرفية الرسمية، التي لا تزال غير قادرة على تلبية احتياجات الشرائح الفقيرة وذوي الدخل المحدود"، مشددا على أن "معالجة هذه الظاهرة تتطلب إصلاحاً مصرفياً حقيقياً، وتوسيع أدوات التمويل الصغير، وتعزيز الشمول المالي، إلى جانب فرض رقابة قانونية على شبكات الإقراض غير الرسمية التي باتت تدير جزءاً واسعاً من السيولة النقدية خارج المنظومة الاقتصادية للدولة".

الفقر والبطالة يُعززان نشاط المرابين

من جانبها، تحذر الباحثة الاجتماعية رقية سلمان، من تفاقم العوز والفقر بين بعض العائلات، وما يرافق ذلك من لجوء خطير إلى القروض الربوية التي تستنزف الدخل وتزيد من المعاناة الاجتماعية والنفسية.

وتقول في حديث صحفي أن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة دفعت العديد من المواطنين إلى البحث عن حلول سريعة، الأمر الذي جعل بعضهم يقع ضحية للربا والاستغلال المالي، مؤكدة أن هذه الظاهرة باتت تهدد استقرار العائلات.

وترى أن الحاجة الاقتصادية تحولت لدى كثير من الأسر إلى مدخل للاستغلال، خصوصاً في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية فعالة أو برامج تمويل صغيرة قادرة على دعم الفئات المتعففة.

وتضيف الباحثة قولها أن "الحاجة لا ينبغي أن تدفع الإنسان إلى أبواب قد تزيد أزمته تعقيداً"، داعية الجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني إلى دعم الأسر المتعففة وتوفير فرص عمل ومساعدات حقيقية تخفف من حدة العوز وتمنع انتشار الديون الربوية.

وتبيّن أن التكافل الاجتماعي والتوعية المالية يمثلان خط الدفاع الأول لحماية المجتمع من آثار الفقر والاستغلال، مشيرة إلى أهمية نشر ثقافة التعاون والمشاريع الصغيرة بدل الاعتماد على القروض ذات الفوائد المرتفعة.

ما دور المصارف الرسمية؟!

رغم إعلان البنك المركزي العراقي عن مبادرات تمويلية وقروض ميسرة خلال السنوات الماضية، إلا أن شريحة واسعة من المواطنين لا تزال بعيدة عن النظام المصرفي الرسمي، بسبب التعقيدات الإدارية وضعف الثقة في المصارف واشتراطات الكفالات والروتين الطويل.

ويقول اختصاصيون ان المصارف العراقية لم تنجح حتى الآن في بناء نظام تمويل مرن يستجيب لحاجات أصحاب الدخل المحدود والعاملين في القطاع غير المنظم، وهو ما خلق فراغاً ملأته شبكات الإقراض غير الرسمية بسرعة كبيرة.

ويضيفون القول أن الاعتماد الواسع على الاقتصاد النقدي في العراق وضعف الثقافة المصرفية ساهما في ترسيخ هذا النمط من التعاملات، لتتحول الأسواق الشعبية إلى مراكز تمويل غير معلنة تدير حركة مالية ضخمة دون رقابة ضريبية أو قانونية.

وينوّه الاختصاصيون إلى أن آثار هذه الظاهرة لا تقف عند حدود الخسائر المالية، انما تمتد إلى البنية الاجتماعية نفسها، مشيرين إلى ان الديون المتراكمة تتسبب في تصاعد النزاعات العائلية، وحالات التفكك الأسري، فضلاً عن لجوء بعض الدائنين إلى أساليب ضغط وتهديد غير قانونية لتحصيل الأموال.

وتحولت بعض الديون إلى قضايا عشائرية تطورت إلى نزاعات معقدة، خصوصاً مع غياب عقود قانونية واضحة أو حماية قضائية للمقترضين.

ويُحذر الاختصاصيون من أن توسع الاقتصاد الموازي يضعف قدرة الدولة على ضبط حركة السيولة ومراقبة النشاط المالي، ما يخلق بيئة خصبة لغسل الأموال والتهرب الضريبي ويعمّق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية.