نشطت خلال السنوات الأخيرة في مختلف مدن البلاد، أعمال إنسانية فردية عبر مبادرات تعتمد على تبرعات مباشرة وحملات دعم تُطلق في الأماكن العامة أو على منصات التواصل الاجتماعي. وتساعد هذه المبادرات في تأمين مبالغ علاج حالات طبية حرجة، فضلا عن بناء منازل واطئة الكلفة للعائلات الفقيرة، وتوفير الدعم المعيشي للمحتاجين.
يأتي ذلك في ظل اتساع رقعة الاحتياج وتزايد الحالات التي تتطلب تدخلاً طبياً أو معيشياً عاجلاً، مقابل تراجع ما توفره المؤسسات الرسمية.
ويشير متابعون إلى أن هذا النمط من العمل لم يعد حالة استثنائية، إنما أصبح جزءا من المشهد اليومي، يعكس حجم الضغط الواقع على العائلات التي تجد نفسها مضطرة للبحث عن بدائل خارج النظام الصحي الحكومي.
ويُعزى هذا التوسع – حسب المتابعين - إلى التحديات التي يواجهها القطاع الصحي، من نقص في التجهيزات الطبية الحديثة، إلى محدودية القدرة الاستيعابية للمستشفيات، فضلا عن الكلفة العالية للعلاج في القطاع الخاص، ما يجعل الوصول إلى الخدمات العلاجية المتقدمة أمرا صعبا، أو مستحيلا، على شريحة واسعة من المواطنين.
وفي ظل هذا الواقع، برزت المبادرات الفردية والتطوعية كمسار موازٍ لسد جزء من هذا العجز. حيث تحولت حملات التبرع إلى وسيلة لإنقاذ حالات مرضية حرجة، وتوفير احتياجات معيشية أساسية، الأمر الذي يعكس اتساع الفجوة بين المنظومة الرسمية واحتياجات المواطنين الفعلية.
تمويل العلاج ودعم المعيشة
يبرز الناشط المدني والحقوقي سليمان الكبيسي بوصفه أحد العاملين في مجال الدعم الإنساني منذ عام 2017. إذ يركّز نشاطه على متابعة أوضاع الفقراء والأيتام والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال رصد الحالات ميدانيا وتوثيقها وإيصالها إلى المتبرعين.
ويعتمد هذا النمط من العمل على الجمع بين التواجد الميداني والتفاعل الرقمي عبر وسائل التواصل، التي أصبحت قناة رئيسة لعرض الحالات وجمع الدعم لها.
يقول الكبيسي في حديث صحفي، أن طبيعة العمل تقوم على استقبال البلاغات الإنسانية عبر الرسائل أو من خلال الزيارات المباشرة للمناطق، ثم تحويلها إلى مناشدات تُنشر بهدف تأمين التمويل اللازم للعلاج أو الدعم المعيشي.
ويوضح أن أبرز الأنشطة المسجلة خلال السنوات الماضية، شملت توزيع أكثر من 800 كرسي كهربائي واعتيادي لذوي الاحتياجات الخاصة في محافظات متعددة بينها الأنبار ونينوى وبغداد وديالى وصلاح الدين وكركوك والبصرة وذي قار والديوانية، إضافة إلى المساهمة في إجراء مئات العمليات الجراحية لمرضى يعانون ظروفا صحية واقتصادية حرجة".
ويتابع قائلا أن "المبادرات امتدت لتشمل توزيع مساعدات غذائية شهرية، وكفالات لعائلات متعففة، فضلاً عن مشاريع ترميم وبناء منازل لنازحين وعائلات فقيرة".
ويعتمد تمويل هذه الأنشطة بشكل أساسي – وفقا للكبيسي - على تبرعات فردية من داخل البلاد، إلى جانب حملات جمع التبرعات عبر الانترنيت، مع تسجيل بعض الاستجابات من جهات رسمية في حالات محددة، مستدركا "لكن الجزء الأكبر من التمويل يبقى مرتبطا بالمبادرات الأهلية والتكافل المجتمعي".
تحديات
يواجه هذا النوع من المبادرات التي يطلقها الكبيسي وغيره، تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف العلاج مقارنة بقدرة التبرعات المتاحة، ما يؤدي أحيانا إلى تعثر بعض الحالات، خصوصا تلك التي تتطلب عمليات جراحية باهظة الكلفة.
ويشير الكبيسي أيضا إلى ان الضغط النفسي الناتج عن التعامل اليومي مع الحالات الإنسانية يمثل عبئا إضافيا على استمرار العمل، مضيفا القول أن هناك إشكالية أخرى تبرز أيضا في هذه الحالات، هي الاستجابة غير الكافية لحملات التبرع "حيث تفشل الحملات أحيانا في جمع أموال تكفي لتغطية التكاليف المطلوبة، ما يضع المرضى أمام خيارات محدودة أو تأجيل العلاج".
عجز المنظومة الصحية
يشير مراقبون إلى ان أحد أبرز أسباب توسع ظاهرة جمع التبرعات للعلاج يعود إلى عجز المنظومة الصحية الحكومية عن استيعاب الحالات الحرجة، سواء من حيث توفر الأجهزة المتقدمة ام القدرة على إجراء العمليات الجراحية المعقدة وذات الكلفة العالية، مبيّنين في أحاديث صحفية أن الكثيرين من المرضى الفقراء وذوي الدخل المحدود، يُحالون إلى القطاع الخاص الذي يتطلب مبالغ تفوق قدرات عائلاتهم، ما يدفعهم للجوء إلى المبادرات التطوعية ووسائل التواصل الاجتماعي كخيار وحيد لإنقاذ حياتهم.
في حديث صحفي، يقول رفعت سلمان، وهو مريض كان قد خضع لعملية معقدة في القلب، أنه "لو لا التبرعات لما كنت استطعت إجراء العملية. كنت بحاجة إلى تبديل صمام في القلب، والكلفة كانت خارج قدرتي تماما، لكن دعم الخيرين هو الذي أنقذ حياتي".
ويضيف قوله أن تأخر العلاج في مثل هذه الحالات قد يعني تدهورا خطيرا في الوضع الصحي أو فقدان فرصة العلاج نهائيا، مؤكدا أن "المبادرات الإنسانية أصبحت الفارق بين الحياة والموت لكثير من المرضى".
إلى ذلك، يذكر المواطن عامر عبد الباقي، أن دور هذه الحملات لم يعد يقتصر على العلاج فقط، إنما توسع ليشمل جوانب معيشية أوسع، مثل بناء منازل منخفضة الكلفة للعائلات الفقيرة، وتوفير السلات الغذائية، ودعم الحالات الإنسانية المختلفة، من أيتام وأرامل وذوي الدخل المحدود، مبينا أن هذه المبادرات أصبحت تشكل شبكة دعم بديلة تسد جزءا من الفراغ الخدمي والاجتماعي.
وحسب مراقبين، فإن التجربة تشير إلى أن الاعتماد على المنصات الرقمية بات محوريا في ربط الحالات الإنسانية بالممولين، في ظل محدودية الاستجابة المؤسسية الرسمية في عدد من الملفات، الأمر الذي يجعل المبادرات الفردية جزءا أساسيا من مشهد الإغاثة غير الرسمي.
ورغم الجدل الذي يرافق هذا النوع من العمل أحيانا، سواء من حيث الشفافية أم الاستمرارية، إلا أنه يبقى حاضرا بوصفه استجابة مباشرة لاحتياجات ملحّة، في بيئة تتسم بتزايد الطلب على الدعم الطبي والمعيشي.
وفي المحصلة، يعكس هذا النمط من المبادرات واقعا إنسانيا معقدا. حيث تتداخل الجهود الفردية مع محدودية التمويل، في محاولة مستمرة لسد فجوات كبيرة في منظومة الرعاية والدعم الاجتماعي.