اخر الاخبار

تحولت أزمة التنوع الأحيائي الى تهديد حقيقي يطال مختلف البيئات الطبيعية في البلاد، من الأهوار جنوبا وحتى جبال كردستان، مروراً بنهري دجلة والفرات والصحراء الغربية.

فمع تفاقم ازمة شح المياه واشتداد اثار التغير المناخي واستمرار التلوث والصيد الجائر، ترتفع المخاوف من فقدان المزيد من الأنواع النادرة في وقت يرى فيه مختصون أن حماية التنوع البيئي أصبحت ضرورة ملحة للحفاظ على الأمن الغذائي والموارد الطبيعية ومستقبل الأجيال القادمة.

ويحمل المشهد البيئي في العراق اليوم ملامح أزمة متفاقمة تهدد تنوعه الطبيعي الفريد، الذي يمتد من الأهوار إلى الصحارى، ومن نهري دجلة والفرات إلى جبال كردستان.

وبين الجفاف والتلوث والصيد الجائر، تتعرض هذه البيئات لضغوط متزايدة جعلت الكثير من الكائنات الحية والنباتات على حافة الاندثار.

أربع بيئات رئيسية

يقول عضو مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، إن العراق يمتلك أربع بيئات رئيسية تتمثل في الأهوار، والصحراء والجبال وبيئة نهري دجلة والفرات، إلا أن جميعها تواجه اليوم أخطاراً متشابكة تهدد استدامتها.

ويؤكد أن شح المياه والتغير المناخي يشكلان التهديد الأكبر، ما أدى إلى جفاف مساحات واسعة من الأهوار ونفوق عداد كبيرة من الأسماك والطيور، الأمر الذي أدى إلى فقدان نحو 60 في المائة من مساحة الأهوار نتيجة انخفاض الإطلاقات المائية القادمة من تركيا وإيران.

اختلال التوازن الطبيعي

ولا تتوقف اثار الأزمة عند الأهوار، إذ يشير عبد اللطيف في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن زحف الصحراء بات يلتهم الغطاء النباتي ويقضي تدريجياً على الموائل الطبيعية، ما انعكس بصورة مباشرة على أعداد الغزلان والثعالب وغيرها من الكائنات البرية. كما تسبب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الملوحة في شط العرب بتدهور الشعاب والأحياء المائية في الخليج العربي، فضلاً عن دفن النباتات الطبيعية وتأثر عمليات تلقيحها نتيجة العواصف الترابية المتكررة، وهو ما أخل بالتوازن البيئي في تلك المناطق.

ويضيف أن التلوث البيئي يمثل تحديا لا يقل خطورة، حيث تتعرض مياه نهري دجلة والفرات للتلوث المستمر، بفعل مياه الصرف الصحي، ومخلفات المصانع والمبيدات الزراعية، الأمر الذي تسبب في نفوق وانقراض عدد من الأنواع المحلية.

كما أن التسربات النفطية في محافظتي البصرة وميسان أسهمت في تدمير النظم البيئية المائية، فيما تتراكم المخلفات البلاستيكية في الأهوار والأنهار، لتتحول إلى مصائد قاتلة للسلاحف والطيور المائية. ولا تزال مخلفات الحروب، من أسلحة ومتفجرات، تشكل مصدرا دائما لتلوث التربة.

ويبين عبد اللطيف أن الأنشطة البشرية غير القانونية فاقمت من حجم الأزمة البيئية، وعلى رأسها الصيد الجائر باستخدام الكهرباء والمتفجرات، وهي وسائل تفتك بالثروة السمكية وتدمر المواطن الطبيعية للكائنات المائية. كما يشهد العراق خلال فصل الشتاء تصاعداً في عمليات صيد الطيور المهاجرة، إلى جانب استمرار قطع أشجار النخيل والغابات لاستخدامها في صناعة الفحم أو التوسع الزراعي، فضلاً عن تهريب الحيوانات البرية، مثل الغزلان والقطط البرية وبعض الطيور النادرة، وبيعها في الأسواق.

ثلاثة تهديدات تواجه التنوع الأحيائي

وتنعكس هذه التهديدات على اعداد كبيرة من الكائنات الحية التي أصبحت تواجه خطر الانقراض. فمن الثدييات، يبرز غزال الريم، والخنزير البري العراقي، وابن آوى الذهبي ضمن الأنواع المهددة، في حين سجلت الأسماك المحلية، مثل البني، والشبوط، والقطان، انخفاضا ملحوظا في أعدادها. كما لم تسلم النباتات من هذه التحديات إذ تواجه أشجار البلوط والسنديان في جبال كردستان ونباتات الأهوار وعلى رأسها البردي، مخاطر متزايدة تهدد بقاءها.

ويؤكد أن المياه، والتلوث والأنشطة البشرية تمثل اليوم أكبر ثلاثة تهديدات تواجه التنوع الأحيائي في العراق، محذراً من أن استمرار هذه العوامل دون حلول جذرية سيؤدي إلى خسائر بيئية يصعب تعويضها.

وبالأرقام يوضح عبد اللطيف أن العراق يضم 23 نوعا من الثدييات المهددة و48 نوعا من الطيور المهددة و12 نوعا من الأسماك المحلية المهددة بالانقراض إضافة إلى نحو 1400 نوع من النباتات تواجه مخاطر مختلفة من بينها 60 نوعا مصنف ضمن قائمة الأنواع المهددة، وفي مقدمتها أشجار البلوط والسنديان في جبال كردستان.

134 نوعاً من الكائنات الحية مهددة بالانقراض

من جهته، حذر رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، فاضل الغراوي، من تفاقم أزمة التنوع الأحيائي في العراق، مؤكداً أن البلاد تواجه تراجعاً متسارعاً في أعداد الحيوانات البرية والمائية نتيجة عوامل بيئية وبشرية متراكمة، ما يجعل العديد من الأنواع على حافة الانقراض.

وقال الغراوي لـ"طريق الشعب"، أن بيانات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة تشير إلى وجود 134 نوعاً من الكائنات الحية المهددة بالانقراض في العراق، مبينا أن الحفاظ على الحياة الفطرية لم يعد شأناً بيئياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بالأمن الغذائي وحماية صحة الإنسان وضمان حقه في بيئة آمنة.

واضاف أن التلوث، والجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، والتصحر، وتراجع مناسيب نهري دجلة والفرات، إلى جانب الصيد الجائر، تمثل أبرز الأسباب التي أدت إلى تراجع أعداد الحيوانات النادرة والمهاجرة، محذراً من استمرار هذه التهديدات دون حلول جذرية.

وأشار إلى أن العراق يحتضن أنواعا برية مميزة بينها الغزال الريمي والوعل الجبلي والذئب العراقي، والضبع المخطط، وثعلب الرمال، والقط البري، وقضاعة الأهوار، والخنزير البري، إلا أن كثيراً منها يواجه ضغوطاً متزايدة تهدد بقاءه.

وأضاف أن الأهوار العراقية ما زالت تمثل محطة رئيسية للطيور المهاجرة، مثل الحبارى الآسيوية، وأبو منجل الأصلع، وأبو منجل المقدس، والبط أبيض الرأس، والنسر المصري، والعقاب الإمبراطوري، واللقالق، فضلاً عن احتضانها أنواعاً محلية من الأسماك والسلاحف المائية.

311 نوعاً من الأسماك في العراق

وفي استعراضه للمؤشرات الرسمية، أوضح الغراوي أن العراق يضم نحو 311 نوعاً من الأسماك، فيما يوجد 234 نوعاً من النباتات والحيوانات مهدداً بدرجات متفاوتة، بينها 59 نوعاً من الأسماك، و43 نوعاً من الطيور، و20 نوعاً من الثدييات، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه التنوع الأحيائي في البلاد.

ولفت إلى أن المؤشرات العالمية لا تقل خطورة، إذ تؤكد القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة أن أكثر من 48 ألف نوع مهدد بالانقراض حول العالم، بينما تواجه قرابة ربع أنواع الكائنات التي تعيش في المياه العذبة خطر الاختفاء.

وأكد الغراوي أن استمرار تلوث الأنهار والأهوار بالمخلفات الصناعية والزراعية يهدد بانهيار الأنظمة البيئية الطبيعية، الأمر الذي سينعكس سلباً على الثروة السمكية والاقتصاد الوطني والصحة العامة، داعياً إلى تحرك عاجل لاحتواء الأزمة.

ودعا الحكومة الاتحادية ووزارات البيئة والزراعة والموارد المائية، إلى جانب حكومة إقليم كردستان والأجهزة الأمنية، إلى تنفيذ إجراءات فورية تشمل مكافحة الصيد الجائر، وتوسيع المحميات الطبيعية، وإعادة تأهيل الأهوار، وزيادة الإطلاقات المائية، فضلاً عن إطلاق برنامج وطني لحماية الأنواع المهددة بالانقراض وصون التنوع الأحيائي للأجيال المقبلة.