في مكان يفترض أن يكون محطة أخيرة للراحلين، تعيش آلاء طفولتها بين القبور.. طفلة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، فقدت والدها، واضطرتها ظروف الفقر واليُتم إلى أن تجعل من المقبرة منزلا ومصدرا محدودا لعيش عائلتها.
ففي إحدى مقابر مدينة تكريت، لا تقتصر حياة آلاء على مشاهدة أعمال الدفن أو مساعدة أفراد أسرتها في أعمالهم، إنما وجدت نفسها تزاول مهنة غريبة على عمرها، في مكان يُعرف محليا بـ”المغيسل”. إذ تساعد أحيانا في غسل الموتى، وتحديدا عندما تكون المتوفاة طفلة أو فتاة!
ظروف قاهرة دفعتها إلى هذه المهنة
الدفان كمال أبو الحمد، يقول في حديث صحفي أن آلاء لا تعمل بصورة دائمة في مغتسله، وان وجودها هناك ليس أمرا معتادا بالنسبة للأطفال، لكنه جاء نتيجة ظروفها العائلية الاستثنائية، فهي يتيمة الأب وتعيش مع أسرتها داخل المقبرة.
ويوضح أن آلاء تعمل عادة مع إخوتها، الذين يساعدون في حفر القبور وبعض الأعمال المرتبطة بالدفن، لكنها تدخل المغتسل عند الحاجة، خصوصا عندما تغيب المرأة المسؤولة عنه وتصل طفلة ميتة تحتاج إلى الغسل.
ولا تتولى آلاء عملية الغسل كاملة - بحسب الدفان - بل يقتصر دورها على المساعدة، فتقوم بسكب الماء، ثم تلف جثمان الطفلة بالكفن الذي يكون قد جهزه الدفان مسبقا، ويقتصر ذلك على الإناث لأن غسل النساء والفتيات من اختصاص النساء.
طفولة لا تستوحش الموت!
الأكثر غرابة في القصة ليس دخول طفلة إلى مغتسل الموتى وحسب، بل أن هذا المكان المخيف بالنسبة للكثيرين أصبح بالنسبة إلى آلاء جزءا من حياتها اليومية.
وفيما إذا كانت الطفلة تشعر بالخوف أو الرهبة وهي تتعامل مع جثامين الأطفال، يقول الدفان أبو الحمد: "لا، انها معتادة على الأمر"!
ويضيف قائلا أن الطفلة التي يفترض أن تكون تفاصيل يومها مرتبطة بالمدرسة واللعب والأصدقاء، اعتادت بدلا من ذلك على القبور ومراسم الدفن ومغتسل الموتى، حتى أصبح الموت مشهدا مألوفًا في طفولتها.
ومقابل مساعدتها، تحصل آلاء أحيانا على مبلغ مالي بسيط لا يتجاوز 10 آلاف دينار، وقد يكون أقل من ذلك، فيما تعمل أحيانا من دون مقابل، خصوصا عندما تكون عائلة المتوفى غير قادرة على دفع المال.
ولا تتوقف حكاية العمل عند آلاء. إذ تساعد شقيقتها أيضا في المغتسل عند الحاجة، بينما يعمل زوج شقيقتها في حفر القبور، ويعتمد أفراد الأسرة على أعمال مرتبطة بالمقبرة لتأمين جزء من احتياجاتهم اليومية.
وهنا، لا تبدو المقبرة بالنسبة إلى آلاء مجرد مكان لدفن الموتى، إنما مكان للسكن والعمل أيضا.. مساحة ضيقة حاصرت طفولتها بين الفقر واليُتم والحاجة.
أعمال شاقة لا تناسب البراءة
قصة آلاء ليست سوى صورة واحدة من واقع أطفال كثيرين في العراق. حيث يدفع الفقر واليُتم وغياب الحماية الاجتماعية بعضهم إلى أعمال تفوق أعمارهم وتحرمهم من التعليم واللعب وحقهم الطبيعي في طفولة آمنة.
فمنذ سنوات بدأت عمالة الأطفال تتحول إلى ظاهرة مستشرية في العراق، بسبب اتساع رقعة الفقر وغياب الخطط والمعالجات الحكومية الجادة. ولم تعد تلك العمالة مقتصرة على المهن البسيطة كبيع السلع في الشوارع. إذ ينخرط بعض الأطفال في أعمال أكثر مشقة وخطورة، بينها العمل في الورش الصناعية، ومحال الحدادة والنجارة وتصليح السيارات، وأعمال البناء، وجمع النفايات، وحفر القبور، فضلا عن العمل في الأسواق والتحميل والتنزيل والمهن الزراعية.
وفي مثل هذه الأعمال، لا يواجه الطفل مشقة العمل فقط، بل قد يتعرض لإصابات جسدية ومخاطر مهنية لا تتناسب مع قدرته البدنية أو عمره، أو قد يُستغل في أعمال غير مشروعة، فضلا عن الآثار النفسية والاجتماعية الناجمة عن تحمله مسؤوليات يفترض أن تقع على عاتق البالغين.
تقول الباحثة الاجتماعية لبنى عسكر، أن "عمالة الأطفال غالبا ما تكون نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، يأتي الفقر في مقدمتها، إلى جانب اليُتم والتفكك الأسري والبطالة وضعف دخل الأسرة، فضلا عن التسرب من المدرسة وضعف منظومة الحماية الاجتماعية".
وتضيف في حديث صحفي قولها أن "الأطفال الذين يدخلون سوق العمل في سن مبكرة لا يخسرون جزءا من طفولتهم وحسب، إنما قد تتأثر فرصهم في التعليم وبناء مستقبلهم، خصوصا عندما يتحول العمل من حالة مؤقتة إلى مصدر الدخل الأساسي للأسرة"، لافتة إلى أن "الأخطر هو أن يتكيف الطفل مع ظروف قاسية إلى درجة تصبح معها الأعمال والمهن الخطرة أمرا طبيعيا في حياته".
وترى الباحثة أن "حالة آلاء تكشف جانبا شديد القسوة من عمالة الأطفال، لأنها تجمع بين اليُتم والفقر والسكن في بيئة عمل مرتبطة بالموت، ما يستدعي تدخلا اجتماعيا ومؤسساتيا لا يقتصر على تقديم المساعدة المالية للأسرة، إنما يشمل ضمان حق الطفلة في التعليم والسكن الملائم والحماية من العمل الذي لا يتناسب مع سنها".
وتنوّه إلى أن "معالجة عمالة الأطفال لا يمكن أن تقتصر على منعهم من العمل، لأن إخراج الطفل من العمل من دون توفير بديل معيشي لأسرته قد يعيده إلى المكان ذاته أو يدفعه إلى أعمال أكثر خفاء وخطورة. لذلك، فإن حماية الطفل تبدأ من معالجة حاجة الأسرة التي دفعته إلى العمل، عبر توسيع برامج الحماية الاجتماعية وربطها بمتابعة الأطفال وضمان استمرارهم في التعليم".
واقع طفولة مؤلم
تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن نحو نصف أطفال العراق يعانون الفقر متعدد الأبعاد. فيما يرتبط الفقر والحرمان بارتفاع مخاطر التسرب من المدرسة وعمالة الأطفال والاستغلال.
وهنا لا تتوقف المسؤولية عند مساعدة أسرة أو تقديم مبلغ مالي مؤقت، بل تضع الجهات المعنية أمام سؤال أكبر: من يحمي هؤلاء الأطفال من أن يتحول الفقر إلى مستقبل مفروض عليهم؟
وحسب مراقبين وناشطين حقوقيين، فإن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والجهات الاختصاصية، مطالبة بتوسيع الحماية الاجتماعية، ورصد الأطفال الأكثر هشاشة، وضمان بقائهم في المدارس، والتدخل عندما تدفعهم حاجة أسرهم إلى سوق العمل بدلا من مقاعد الدراسة.
ويرى الناشطون والمراقبون أن الأمر يتطلب معالجة أصل المشكلة "الفقر" الذي يقتل براءة الطفولة، مشيرين إلى ان الأولى بالحكومة فعلا هو أن توقف رواتب المتجاوزين على الحماية الاجتماعية وتشمل هؤلاء الأطفال فيه. فحتى اليوم، أعلنت وزارة العمل عن ضبط 140 ألف عائلة متجاوزة على شبكة الحماية، وهذا يعود الى فساد وسوء ادارة واضح وصريح!
ويبقى التحدي الحقيقي في ألا تكتفي الجهات المعنية بإبعاد الأطفال عن الأعمال الشاقة أو الخطرة، بل أن توفر لأسرهم ما يمنع عودتهم إليها، وأن تصل الحماية الاجتماعية إلى من يحتاجها فعلا، حتى لا يتحول الفقر من أزمة مؤقتة إلى مصير يرثه الأطفال عن أسرهم.