لا ينحصر القلق من المخدرات في العراق في غرف التحقيق أو بيانات أجهزة الأمن، إنما يتسلل إلى البيوت بصورة أكثر وضوحا. إذ تزداد خشية الآباء والأمهات من انزلاق أبنائهم وبناتهم إلى هاوية الإدمان، لا سيما مع مواصلة كشف السلطات عمليات تهريب وضبط مواد مخدرة. ففي 13 آب الجاري أعلنت مديرية شؤون مخدرات كركوك تفكيك شبكة دولية للتهريب وضبط 20 كيلوغراماً من الماريجوانا. كما أعلنت الهيئة العامة للكمارك إحباط محاولة تهريب نحو 45 ألف حبة مخدرة كانت مخبأة داخل صهريج فارغ قادم من سورية، هذا فضلا عما تم ضبطه خلال السنوات السابقة، وما يجري ضبطه حاليا، من مواد مخدرة بكميات هائلة.
ووسط استفحالها، لم تعد المخدرات بالنسبة إلى أسر كثيرة مشكلة منعزلة ترتبط بالتهريب والاتجار في الخفاء، إنما تحولت إلى هاجس يرافقها في تفاصيل حياتها اليومية، من اختيار أصدقاء أبنائها ومدارسهم، إلى مراقبة سلوكهم وتغيراتهم النفسية والاجتماعية. ويجد بعض الآباء أنفسهم أمام معادلة شديدة الصعوبة: كيف يحمون أبناءهم من خطر حقيقي من دون أن تتحول الحماية إلى رقابة خانقة تدفعهم إلى إخفاء مشكلاتهم؟
وفي ظل اتساع المخاوف، يواجه الآباء والأمهات تحديا آخر يتمثل في محدودية معرفتهم بعلامات التعاطي والإدمان وطرق التعامل معها. فقد لا يميز بعضهم بين التغيرات الطبيعية التي ترافق مرحلة المراهقة وبين مؤشرات تستدعي التدخل. كما قد يؤدي اكتشاف التعاطي إلى ردود فعل عنيفة أو عقابية تزيد من عزلة الابن وتدفعه إلى إخفاء المشكلة بدلا من طلب المساعدة. وكانت وزارة الصحة قد أعدّت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات للسنوات 2025-2030، والتي تعمل على توسيع خدمات علاج الإدمان.
وتضم بغداد مستشفيين متخصّصين بسعة بين 200 و250 سريراً. فيما تضم محافظة الديوانية مستشفى بسعة 200 سرير وآخر بسعة 46 سريراً، وهناك خطط لافتتاح مستشفيات جديدة بسعة 100 سرير في خمس محافظات.
لكن الأرقام الرسمية لا تختصر وحدها حجم المخاوف التي تعيشها الأسر. فداخل المنازل تتحوّل الوقاية أحيانا إلى مراقبة يومية شديدة، ويجد آباء وأمهات أنفسهم أمام معادلة صعبة تتمثل في كيفية الحفاظ على ثقة أبنائهم وحريتهم، ومنعهم في الوقت نفسه من الاقتراب من عالم يخشون عواقبه.
رقابة مستمرة
آلاء عبد الرحمن، وهي موظفة وأم لولدين وثلاث بنات، تقول في حديث صحفي أنها أصبحت تراقب ولديها المراهقين بشكل مستمر، لأنها تخشى أن تكتشف الخطر بعد فوات الأوان!
وتضيف قائلة: "أفتش يومياً ملابس ولديّ وحقائبهما وخزائنهما، وأدقق في هواتفهما، ووضعت برنامجاً لتعقب موقعيهما، وأتابع صداقاتهما وأعرف مع من يخرجان وإلى أين يذهبان، لكن هذه الرقابة تضعني في صراع دائم معهما، وأنا أريد أن أحميهما من الخطر من دون أن يتحوّل البيت إلى مكان يشعران فيه بأنهما تحت مراقبة طوال الوقت".
وإذا كانت مخاوف آلاء تبنى على الاحتمال، يواجه آباء آخرون الخطر مباشرة داخل منازلهم، وأحدهم سعيد الحسني، الذي يقول في حديث صحفي أنه اكتشف أن ابنه الطالب في الثانوية، يدخن سجائر حشيش بعد أن مرّ بأزمة نفسية ودراسية إثر وفاة أعز أصدقائه، ما انعكس سلباً على مستواه الدراسي.
ويشير إلى انه "أوقفت ابني عن التعاطي، لكنني لا أشعر بأن الخطر انتهى. كما أن لدي ابنتَين في الـ17 والـ19 من العمر، وأخشى أن تصل إليهما المواد المخدرة أيضا. وما يزيد قلقي أن خطر التعاطي لم يعد ينحصر في الذكور".
في السياق، يروي المواطن جواد خضر كيف أنه منع أبناءه من مرافقة أصدقاء في المنطقة بعد أن عرف أن بعضهم يتعاطون المخدرات، ثم اكتشف لاحقاً أن أحد أبنائه وقع بالفعل في التعاطي، فاختار علاجه في مركز متخصص، واستطاع تخليصه من الإدمان.
ورغم أن الابن تعافى، إلا أن التجربة تركت في نفس الأب خوفاً مستمراً على بقية أولاده وبناته. إذ يقول في حديث صحفي أن "هذا الشعور لا يفارقني، لأنني قد أستطيع منع ابني من صديق معين أو مراقبة خروجه من المنزل، لكنني لا أستطيع مراقبة العالم كله حوله".
قرارات قاسية
يدفع الخوف بعض الآباء إلى اتخاذ قرارات قاسية تمسّ الحياة اليومية لأبنائهم. وفي هذا الصدد يقول قيصر العيساوي انه اضطر إلى بيع منزله في بغداد والانتقال إلى كركوك بعد أن أصبح يخشى على أولاده من الاختلاط ببعض أبناء المنطقة، وهم زملاؤهم في الدراسة أيضاً، بسبب سمعتهم السيئة وما يتردد عن تعاطيهم المخدرات.
ويضيف قائلا في حديث صحفي انه اختار كركوك لأن له أقارب فيها، لافتا إلى ان "خسارة العمل والمنزل كانت أقل كلفة من خسارة أحد أبنائي بسبب الإدمان".
المراقبة والعقاب غير كافيين
من جانبها، تقول الباحثة الاجتماعية سلمى حسن، أن "الخوف الذي تعيشه الأسر مفهوم في ظل انتشار المخدرات، لكن التعامل مع المشكلة لا يمكن أن يقوم على المراقبة والعقاب وحدهما"، موضحة في حديث صحفي أن "الأسرة تحتاج إلى بناء علاقة قائمة على الثقة والحوار، بحيث يستطيع الابن أو الابنة الحديث عن الضغوط والمشكلات التي يواجهها من دون خوف من العقوبة أو الوصمة".
وتضيف قولها أن "الكثير من حالات التعاطي تبدأ في ظروف نفسية أو اجتماعية صعبة، مثل فقدان شخص قريب أو الفشل الدراسي أو التفكك الأسري أو رفاق السوء. لذلك إن الوقاية الحقيقية تبدأ من فهم الأسباب التي تجعل الشاب أكثر عرضة للتعاطي، وليس فقط محاولة اكتشاف المخدرات بعد دخولها إلى المنزل".
ولا تقتصر المعاناة على الخوف من التعاطي. إذ تواجه العائلات التي يثبت وجود مدمن بين أفرادها مشكلة أخرى تتمثل في الوصمة الاجتماعية. ويخشى البعض من كشف الأمر أمام الأقارب أو الجيران، ما يدفعهم أحيانا إلى إخفاء المشكلة أو تأخير طلب العلاج، فيما ينظر المجتمع في حالات كثيرة إلى المدمن باعتباره مجرما أو شخصا سيئ السلوك، بدلا من التعامل معه بوصفه شخصا يحتاج إلى علاج وتأهيل ومتابعة – وفقا للباحثة الاجتماعية.
وتشير بيانات أصدرتها وزارة الداخلية في تشرين الثاني 2025 إلى تفكيك أكثر من 1201 شبكة مخدرات خلال ثلاث سنوات، من بينها 171 شبكة دولية. كما تشير البيانات إلى ضبط 14 طناً و20 كيلوغراماً و17 غراماً من المواد المخدرة، وإصدار 2318 حكماً قضائياً في حق متورطين، من بينها 300 حكم بالإعدام و1147 حكماً بالسجن المؤبد.
كذلك أعلنت الوزارة في حينها، إصدار 140 مذكرة قبض دولية وتنفيذ 40 عملية أمنية خارج حدود العراق. وعلى صعيد العلاج تفيد بيانات بأن 6200 شخص تعافوا من الإدمان، وأن 1228 لا يزالون يخضعون للعلاج في مصحات خاصة.
وبين الخوف من المجهول وتجارب بعض الأسر التي واجهت التعاطي فعلا، تبدو المعركة مع المخدرات أكبر من قدرة العائلة على خوضها منفردة. فالأسرة تستطيع المراقبة والتوجيه والاحتواء، لكنها لا تستطيع وحدها ضبط سوق المخدرات أو حماية أبنائها من كل البيئات المحيطة بهم.
وبينما تواصل الأجهزة الأمنية ملاحقة شبكات التهريب والاتجار، تبقى الوقاية والعلاج والتأهيل والتوعية مسؤولية متكاملة، حتى لا يتحول خوف الآباء على أبنائهم إلى واقع تعيشه العائلات بعد فوات الأوان.