اخر الاخبار

تتسع الضغوط التي يواجهها المرضى في العراق مع استمرار تداعيات الأزمة المالية على القطاع الصحي، أحد أهم القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. فمع الأزمة المزمنة المتمثلة في نقص الأدوية والأجهزة الطبية وتراجع قدرة المستشفيات على تلبية الطلب المتزايد، جاءت لجنة الصحة البرلمانية لتقر بتراكم ديون كبيرة على القطاع، ما يتطلب تخصيصات طارئة لا تقل عن 9 تريليونات دينار، لتغطية النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

ووفقاً لعضو اللجنة، النائبة نور عادل، فإن "وزارة الصحة تواجه أزمة مالية وتشغيلية متشابكة، تشمل الديون ونقص الأجهزة وعدم توفر بعض الأدوية"، مؤكدة في تصريح لوسائل إعلام محلية، أن "حجم المشكلات يتطلب تمويلاً استثنائياً لمعالجتها".

ولا يُعدّ تدهور القطاع الصحي في العراق وليد الساعة أو نتاج ظروف طارئة، إنما هو أزمة متجذرة ومزمنة يعانيها القطاع منذ سنوات طويلة نتيجة تراكمات ضعف الإدارة والإهمال والفساد. بيد أن الأزمة المالية الأخيرة زادت المشهد تعقيدا، ودفعت بالنظام الصحي نحو حافة الانهيار. وفي ظل هذا التراجع الهيكلي، يجد المواطن نفسه الضحية الأبرز. إذ بات المرضى يدفعون الثمن حرفيا من جيوبهم الخاصة لتغطية أبسط متطلبات العلاج. حيث تُجبر العائلات على شراء الأدوية، حتى الأساسية والشائعة منها، من الصيدليات الأهلية لخلو المستشفيات الحكومية منها. ولا يتوقف الأمر عند الدواء، إنما يمتد ليدفع المواطنين مجبرين نحو العيادات الخاصة والمستشفيات الأهلية ذات التكاليف الباهظة، هربا من واقع المؤسسات الحكومية التي باتت تصارع نقصا حادا في العلاجات والكوادر الطبية المتخصصة، فضلا عن ضعف الرعاية، وتقادم البنى التحتية، والنقص الحاد في الأجهزة الطبية الحديثة والتشخيصية، إلى جانب اكتظاظ أعداد المراجعين، ليتحول الحق الافتراضي في العلاج المجاني إلى عبء إضافي ينهك كاهل الأسر.

 

مستشفيات خالية من أبسط العلاجات

تنقل وكالات أنباء عن مرضى ومراجعين، قولهم أن المشكلة أصبحت أكثر وضوحاً في الحالات التي تحتاج إلى علاج مستمر. إذ يضطرون إلى البحث عن الدواء خارج المؤسسات الحكومية بعد إبلاغهم بعدم توفره في المستشفى، مضيفين القول أن هناك عائلات تتحمل نفقات إضافية لإجراء فحوص أو الحصول على خدمات طبية في القطاع الخاص، رغم توجهها أساسا إلى المستشفى الحكومي لتقليل الكلفة.

ووفقا للطبيب رائد الحسني، الذي يعمل في أحد المستشفيات الحكومية، فإن "نقص المستلزمات والأدوية لا يؤثر فقط في المريض، إنما يضع الطبيب والكوادر الصحية أمام خيارات صعبة، خصوصاً عندما يكون العلاج مرتبطاً بتوفر دواء أو جهاز محدد".

ويشير الطبيب في حديث صحفي إلى ان "الضغط على المؤسسات الصحية يرتفع مع اكتظاظ الردهات بأعداد المراجعين المتزايدة، بينما تحتاج المستشفيات إلى صيانة وتحديث مستمر للمعدات، وإن كل هذا معطل بسبب نقص التمويل". 

الحلقة الأضعف

من جانبه، يرى عضو نقابة الأطباء العراقيين هشام العبيدي، أن "معالجة أزمات القطاع الصحي لا تحتاج الى إنشاء مبان جديدة فحسب، لأن المستشفى يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الأطباء والكوادر التمريضية والأدوية والأجهزة والصيانة والتمويل".

ويوضح في حديث صحفي أن "استمرار النقص في أي من هذه الحلقات ينعكس في النهاية على جودة الخدمة التي يحصل عليها المريض"، مشيرا إلى أنه "لا يمكن أن يبقى المريض الحلقة الأضعف، ويتحمل التكاليف الناتجة عن تلك الأزمات. لذلك على الحكومة ووزارة الصحة تحمل مسؤولية تطوير القطاع وتجهيزه بالاحتياجات المطلوبة".

وتأتي هذه المشكلات في وقت تحاول فيه الحكومة توسيع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الصحية. فقد أعلن وزير الصحة عبد الحسين الموسوي افتتاح 10 مستشفيات جديدة في بغداد خلال الشهور الستة المقبلة، بسعات تراوح بين 100 و400 سرير للمستشفى الواحد.

ويرى العبيدي، أن "زيادة عدد المستشفيات يمكن أن يخفف الضغط عن المؤسسات القائمة، لكنه لن يكون كافياً إذا لم يرافقه تمويل مستدام. فالمبنى الطبي الجديد يحتاج إلى كوادر ومستلزمات وأدوية وأجهزة، ما يعني أن تحدي القطاع لا يرتبط بعدد الأبنية بقدر ارتباطه بقدرة الدولة على توفير منظومة صحية تعمل بصورة مستقرة".

الفقير يموت مرضا!

وتؤشر أزمة التمويل إلى كلف العلاج وثقلها على المرضى وأسرهم، خصوصاً الفقراء وذوو الدخل المحدود، ممن يعانون أمراضاً مزمنة أو حالات تتطلب مراجعات متكررة الى المستشفيات. إذ يمكن أن تتحول هذه الأزمة إلى عبء مالي طويل الأمد عندما يضطر المريض إلى شراء احتياجاته من خارج المستشفى.

ويروي المواطن ليث جاسم، وهو عامل أجرة يومية، مأساته مع تكاليف العلاج. حيث يقول في حديث صحفي أن "المستشفيات الحكومية أصبحت مجرد جدران.. ندخل إليها فلا نجد حتى حبة الدواء البسيطة، ويطلبون منا شراء كل شيء من الصيدليات الخارجية".

ويتابع بمرارة قائلا أن "الفقير في هذا البلد يموت مرضاً إذا لم يكن يملك المال. فإما أن تملك ثمن كشفية الطبيب والعلاج وأجور المستشفى الأهلي، أو تنتظر قدرك. أجور الفحوصات والتحاليل وحدها تفوق ما أجمعه في شهر كامل، والوضع الحالي جعل الصحة سلعة للأغنياء فقط"!

أما المواطنة أم حيدر، وهي مصابة بمرضي السكري والضغط المزمنين، فتتحدث عن معاناة من نوع آخر مع تأمين العلاج الشهري الدائم.

إذ تقول في حديث صحفي: "أحتاج إلى جرعات الإنسولين وأدوية الضغط بشكل منتظم وبدون انقطاع، لكن المستشفى ومراكز الرعاية الصحية غالبا ما تبلغنا بعدم توفرها بسبب نقص التجهيزات، ما يضطرني إلى شرائها شهريا من الصيدليات التجارية بأثمان باهظة".

وتضيف قولها أن "هذه الأمراض لا تنتظر توفر الميزانية أو انفراج الأزمة المالية. فالجرعة التي أتأخر عنها تعرض حياتي للخطر فورا. لقد تحول المرض المزمن إلى حكم بالإعدام البطيء على المريض الفقير الذي لا يملك دخلا ثابتا يغطي فاتورة الصيدلية الأهلية كل شهر".

يشار إلى أن هذا الواقع يضع الحكومة أمام اختبار صعب للغاية، يتعلق بمدى قدرتها على إعادة الحياة لمستشفياتها التي تعد الملاذ الوحيد للمواطنين غير القادرين على تحمل تكاليف العلاج في المستشفيات الأهلية والعيادات الطبية الخاصة.