اخر الاخبار

في ظل غياب إحصاءات رسمية تحدد أعداد المتسولين في العراق، تثير الظاهرة مخاوف متزايدة بشأن استغلال الأطفال والفئات الهشة، واحتمال ارتباط بعض الحالات بشبكات منظمة تستفيد من التسول لتحقيق مكاسب مالية.

وبينما يدعو مجلس القضاء الأعلى إلى تشديد الإجراءات القانونية والأمنية لملاحقة المتورطين، يحذر مختصون من تداعيات الظاهرة على أمن المجتمع، مؤكدين أن معالجتها تتطلب تطبيق القانون، وحماية ضحايا الاستغلال، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع إلى التسول.

قرابة نصف مليون متسول!

ويقدّر المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان عدد المتسولين في العراق بأكثر من 500 ألف شخص، في ظل غياب إحصاءات رسمية معلنة تحدد الأعداد الفعلية للظاهرة.

وفي سياق التحركات الرسمية للحد من الظاهرة، أكد مجلس القضاء الأعلى ضرورة تشديد الإجراءات القانونية والأمنية لمكافحة التسول، وملاحقة الشبكات التي تدير هذا النشاط وتستغل الفئات الهشة لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.

وذكر المجلس، في بيان اطلعت عليه «طريق الشعب»، أن معهد التطوير القضائي نظم ورشة عمل بالتنسيق مع مكتب القائد العام للقوات المسلحة، بمشاركة ممثلين عن القضاء والأجهزة الأمنية ووزارتي العمل والشؤون الاجتماعية، بهدف توحيد الجهود وتطوير آليات التنسيق لمواجهة الظاهرة.

ملاحقة الأنشطة الإجرامية

وأكد رئيس هيئة الإشراف القضائي، القاضي ليث جبر، أن معالجة التسول لا تقتصر على الإجراءات الأمنية والقضائية، بل تتطلب أيضاً تدابير اجتماعية تعالج الأسباب التي تدفع إلى انتشاره، مع التشديد على ملاحقة الأنشطة الإجرامية والاستغلال المنظم.

وخلصت الورشة إلى إقرار إجراءات قانونية مشددة تستهدف الممولين والمشرفين على شبكات التسول، ومحاسبة المتورطين في استغلال الفئات الضعيفة لتحقيق منافع مالية غير مشروعة.

ضرورة معالجة حالات الفقر بطرق منظمة

ويحذر الخبير الأمني صفاء الأعسم من التداعيات الخطيرة لهذه الظاهرة، معتبراً أنها لم تعد مجرد سلوك فردي ناتج عن الفقر، بل تحولت إلى ملف أمني معقد تتداخل فيه عدة عوامل وسيناريوهات مقلقة.

ويقول الأعسم، في حديث لـ«طريق الشعب»، أن الجانب الأمني لظاهرة التسول يكمن أولاً في ارتباطها بعمليات خطف الأطفال، سواء من المستشفيات أو من الشوارع، حيث يتم استغلالهم لاحقاً في أعمال التسول. ويضيف أن هذه الممارسات تشكل تهديداً مباشراً لأمن المجتمع، إذ تزرع الخوف في نفوس المواطنين وتحد من شعورهم بالأمان، خصوصاً فيما يتعلق بخروج الأطفال وتحركهم بحرية.

ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، بل تمتد، بحسب الأعسم، إلى مستقبل هؤلاء الأطفال، الذين يُحرمون من التعليم والتنشئة السليمة، ما يجعلهم عرضة للانخراط مستقبلاً في أنشطة إجرامية، مثل تجارة المخدرات أو السرقة أو العنف. ويضيف أن هذا المسار قد يؤدي إلى إنتاج جيل مهمّش وخارج عن المنظومة المجتمعية، بما ينعكس سلباً على بنية المجتمع واستقراره.

كما يلفت إلى دور بعض المتسولين، خصوصاً من فئة الشباب والبالغين، في شبكات نقل المخدرات وتوزيعها، حيث تُستغل عمليات التسول غطاءً لتبادل الأموال والمواد المخدرة في الشوارع، وهو ما يزيد من خطورة الظاهرة ويعقّد سبل معالجتها.

ويرى الأعسم أن استمرار هذه الظاهرة من دون تدخل حازم قد يسهم في تشكيل فئة اجتماعية جديدة تمثل تهديداً أمنياً مستقبلياً، سواء من خلال الجرائم المنظمة أو الفردية، بما في ذلك السرقة والاعتداء والخطف.

وفي ضوء ذلك، يدعو إلى اتخاذ إجراءات صارمة للحد من التسول، خصوصاً في مراكز المدن والمحافظات، مع التأكيد على ضرورة معالجة حالات الفقر بطرق منظمة من خلال الجهات المختصة والمجتمع المحلي، بدلاً من تركها تتفاقم في الشوارع.

ويختتم بالتأكيد على أن معالجة ظاهرة التسول تتطلب توازناً بين البعد الإنساني والاجتماعي من جهة، والحزم الأمني من جهة أخرى، لضمان حماية المجتمع والحفاظ على مستقبله.

ملاحقة الشبكات الاجرامية ومحاسبة المتورطين

من جهته، يضع الخبير الأمني عدنان الكناني ظاهرة التسول ضمن إطار أوسع، معتبراً أنها لم تعد تقتصر على ممارسات فردية، بل باتت، بحسب قوله، تُدار من قبل مافيات منظمة تحظى بحماية من جهات أمنية، الأمر الذي يعرقل جهود الحد منها ويضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات المعنية بحمايتهم.

ويقول الكناني، في حديث لـ«طريق الشعب»، إن عدداً من عناصر شرطة النجدة والمرور وأفراد فوج الطوارئ المنتشرين عند التقاطعات لديهم ارتباطات بهذه الشبكات، متهماً جهات أمنية بتوفير الغطاء لها، وهو ما يتيح لها مواصلة أنشطتها في استغلال المواطنين والاعتداء عليهم.

ويوجه الكناني انتقادات إلى وزارة الداخلية، محمّلاً إياها المسؤولية عن معالجة هذه التجاوزات، ومعتبراً أن الإجراءات الشكلية لا تكفي ما لم ينعكس أثرها على أداء المؤسسات الأمنية وإجراءاتها على أرض الواقع.

ويشدد على أن استمرار هذه الأوضاع يستدعي تحركاً عاجلاً لملاحقة الشبكات المنظمة ومحاسبة المتورطين، بمن فيهم أي عناصر أمنية يثبت ارتباطها بها، مؤكداً أن حماية المواطنين تتطلب وضع حد لهذه الممارسات وعدم التستر على المقصرين.

تنسيق بين الأجهزة الأمنية والقضاء

من جانبها، تقول القانونية نورس محمد إن القانون العراقي ينظر إلى التسول بوصفه سلوكاً يستوجب المعالجة القانونية، لكنه يميز بين الشخص الذي يمارس التسول بإرادته، وبين الأطفال والفئات المستضعفة الذين قد يتعرضون للاستغلال من قبل الآخرين، موضحة أن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على معاقبة المتسولين، بل يجب أن يشمل محاسبة الجهات التي تستغلهم وتدفعهم إلى الشارع.

وتضيف محمد، في حديث لـ«طريق الشعب»، أن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل تناول التسول في المادة 390، فيما عالج قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 حالات تشرد الأطفال والأحداث، بما يتيح التعامل معهم من خلال تدابير الرعاية والإصلاح.

وترى أن هذه النصوص تؤكد أهمية التمييز بين المسؤولية القانونية للبالغين وحاجة الأطفال إلى الحماية، بدلاً من التعامل معهم باعتبارهم مخالفين فقط.

وتشير إلى أن التحدي لا يكمن في وجود النصوص القانونية فحسب، بل في كيفية تطبيقها على أرض الواقع، وملاحقة الشبكات التي تستغل الفقر والأطفال لتحقيق مكاسب مادية، إلى جانب معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعض الأشخاص إلى التسول.

وتؤكد محمد أن مواجهة الظاهرة تتطلب تنسيقاً بين الأجهزة الأمنية والقضاء ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، مع ضمان حماية الأطفال من الاستغلال وتوفير بدائل اقتصادية واجتماعية للفئات المحتاجة، مشددة على أن تطبيق القانون يجب أن يستهدف الحد من الاستغلال المنظم، لا الاكتفاء بملاحقة الأشخاص الذين يظهرون في الشوارع.