تتواصل الاحتجاجات الشعبية في عدد من المحافظات، وسط اتساع رقعة المطالب وتنوعها بين استكمال المشاريع الخدمية المتلكئة، وصرف الرواتب المتأخرة، وتوفير فرص العمل والتعيينات، وتحسين واقع الكهرباء والمياه، والاعتراض على تسعيرات المولدات الأهلية ومشاريع خصخصة الكهرباء. وتعكس هذه التحركات، التي شهدتها البصرة وميسان وواسط والسماوة وبغداد وكركوك، حجم الضغوط المعيشية والخدمية التي تواجه شرائح واسعة من المواطنين، في وقت تتكرر فيه الوعود الحكومية من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
وبينما يطالب أهالي مناطق في البصرة باستئناف مشاريع المجاري والبنى التحتية ومعالجة التلوث، يواصل عمال بلدية العمارة احتجاجاتهم بسبب تأخر مستحقاتهم المالية، فيما خرج أصحاب المولدات في ميسان للمطالبة بإعفائهم من الضرائب وتعديل التسعيرة.
وفي محافظات أخرى، احتج طلبة وخريجون وأصحاب سيارات أجرة وأهالي مناطق سكنية على ما وصفوه بغياب الاستجابة لمطالبهم. أما كركوك، فقد شهدت موجة احتجاجات واسعة اتخذت أشكالاً متعددة، على خلفية ارتفاع أسعار أمبيرات المولدات، ورفض خصخصة الكهرباء، والمطالبة بالتعيينات وتحسين الخدمات وإجراء تغييرات إدارية.
البصرة.. مشاريع متوقفة ومطالب خدمية ووظيفية
تظاهر عدد من أهالي قضاء الزبير أمام قائممقامية القضاء، احتجاجاً على توقف أعمال شركة النرجس وعدم استكمال مشاريعها الخدمية، مطالبين الجهات الحكومية بالتدخل العاجل لضمان استئناف العمل وإنجاز المشاريع المتلكئة.
وقال متظاهرون إن الشركة لم تستكمل أعمالها في القضاء بسبب عدم صرف مستحقاتها المالية، داعين رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس محافظة البصرة والمحافظ إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة المشكلة وإعادة العمل بالمشاريع المتوقفة.
وأكد المحتجون أن قضاء الزبير يُعد من المناطق التي تسهم بصورة كبيرة في رفد العراق بالإيرادات النفطية، الأمر الذي يستدعي، بحسب تعبيرهم، منحه الأولوية في تنفيذ المشاريع الخدمية واستكمال البنى التحتية. وحذروا من أن قرب موسم الشتاء، مع استمرار توقف الأعمال، سيضاعف معاناة الأهالي، ويعرقل حركة التنقل ويؤثر في حياتهم اليومية، ولا سيما مع احتمال هطول الأمطار وتفاقم مشكلات الطرق والمجاري.
ولوّح المتظاهرون بالتصعيد وتنظيم خطوات احتجاجية أخرى في حال عدم الاستجابة لمطالبهم، مؤكدين استمرار تحركاتهم حتى إنصاف أهالي القضاء واستكمال المشاريع المتوقفة.
وفي شمال البصرة، جدد أهالي قضاء الصادق تظاهراتهم للمطالبة بتنفيذ الوعود الحكومية السابقة، مؤكدين أن مطالبهم لم تشهد أي استجابة فعلية، رغم تكرار الاحتجاجات.
وقال الشيخ هيثم المنصوري، قائد الحراك الشعبي في القضاء، إن المطالب التي خرج الأهالي من أجلها في التظاهرات السابقة هي نفسها التي يجددونها اليوم، من دون أن تنفذ حتى الآن.
من جانبه، أوضح الشيخ علاء المنصوري، أحد ممثلي الحراك، أن المطالب تتركز في ملف قضاء الصادق، وملف الـ19 ألف درجة وظيفية، وملف الـ10 آلاف، مؤكداً أن هذه الملفات لا تزال عالقة ولم يطرأ عليها أي تغيير.
وأشار متظاهرون إلى افتقار مناطق شمال البصرة إلى أبسط الخدمات، فضلاً عن معاناة السكان من انتشار الأمراض السرطانية، التي عزوا أسبابها إلى قرب الحقول النفطية من المناطق السكنية، إلى جانب اعتماد تلك الحقول على العمالة الأجنبية بدلاً من تشغيل الأيدي العاملة المحلية.
وطالب المحتجون الحكومة المحلية بإكساء الشارع الوسطي، ومعالجة تلوث المياه، ومتابعة الواقع الخدمي في القضاء، والاستجابة للمطالب المتعلقة بالتعيينات وفرص العمل.
ميسان.. احتجاجات أصحاب المولدات وعمال البلدية
وفي محافظة ميسان، نظم عدد من أصحاب المولدات الأهلية تظاهرة أمام مبنى مجلس المحافظة، للمطالبة بإعفائهم من الضرائب وتحديد تسعيرة جديدة للأمبيرات، بما يعوض الخسائر التي تكبدوها خلال فصل الصيف.
وقال متظاهرون إنهم يقفون أمام السلطة التشريعية في المحافظة للمطالبة بتشريع قانون يعفي أصحاب المولدات من الضرائب والجبايات، باعتبار أن عملهم خدمي وليس ربحياً، وفق تعبيرهم. كما طالبوا بوضع تسعيرة جديدة للأمبير الواحد المجهز للمواطنين، بما يراعي تكاليف التشغيل والخسائر التي تعرضوا لها.
وأوضحوا أن فصل الصيف الماضي كان مرهقاً لأصحاب المولدات، بسبب زيادة ساعات التشغيل الناجمة عن تردي تجهيز الكهرباء الوطنية، الأمر الذي تسبب بأعطال كثيرة في محركات التوليد ورفع كلف الصيانة والتشغيل.
وفي مدينة العمارة، جدد العشرات من عمال البلدية تظاهراتهم أمام مبنى ديوان المحافظة، احتجاجاً على تأخر صرف رواتبهم لأكثر من شهرين.
وقال عدد من العمال إنهم يعملون في قسم التنظيفات بصفة أجر يومي، ضمن تخصيصات البترودولار، وإن مستحقاتهم المالية تأخرت منذ شهرين، بعد سلسلة من التأخيرات المتكررة خلال الفترات السابقة.
وأكدوا أن استمرار حجب الرواتب يفاقم أوضاعهم المعيشية، في ظل الالتزامات المالية التي يتحملونها تجاه عائلاتهم، مطالبين الجهات المعنية بالتدخل العاجل وصرف مستحقاتهم المتأخرة وضمان عدم تكرار هذه المشكلة.
واسط.. الطلبة يطالبون بتوسعة القبول الجامعي
وفي واسط، تظاهر عدد من الطلبة أمام مديرية التربية، للمطالبة بتوسعة معدلات القبول في الكليات والجامعات، بما يتيح فرصاً أكبر أمام خريجي الدراسة الإعدادية للالتحاق بالتخصصات الجامعية التي يرغبون فيها.
وطالب المتظاهرون الجهات المعنية بمراجعة ضوابط القبول وإيجاد معالجات تضمن عدم حرمان أعداد من الطلبة من مواصلة تعليمهم الجامعي بسبب معدلات القبول المحددة.
السماوة.. أزمة أصحاب سيارات الأجرة
وفي السماوة، نظم عدد من أهالي منطقة البو جحر وقفة احتجاجية أمام مبنى المحافظة، اعتراضاً على توقف أعمال الجهد الخدمي في المنطقة، مطالبين باستئناف العمل وإكمال الخدمات التي تحتاجها.
وأكد المحتجون ضرورة معالجة أسباب توقف المشروع وعدم ترك الأعمال الخدمية من دون إنجاز، محذرين من أن استمرار التعطيل، ولا سيما مع قرب موسم الأمطار، سيضاعف معاناة السكان ويزيد المشكلات المرتبطة بالبنى التحتية.
وفي تحرك احتجاجي آخر، تظاهر عدد من أصحاب سيارات الأجرة في المدينة، اعتراضاً على عمل شركة «بلي» ومنع سيارات الخصوصي من العمل كسيارات أجرة، مطالبين الجهات المعنية بالتدخل لمعالجة تداعيات عمل التطبيق على قطاع النقل.
وقال متظاهرون إن تخفيض أجور النقل الذي تعتمده الشركة أثر بصورة كبيرة في عمل أصحاب سيارات الأجرة ومصادر رزقهم اليومية، مؤكدين أن استمرار هذه المنافسة يهدد أوضاعهم الاقتصادية، في ظل اعتمادهم على هذا العمل لتأمين متطلبات المعيشة.
بغداد.. خريجو معاهد النفط يطالبون بالتعيين
وفي العاصمة بغداد، تظاهر عدد من خريجي معاهد النفط أمام مبنى وزارة النفط، للمطالبة بتوفير فرص عمل وتعيينهم ضمن موازنة عام 2027، ورفعوا لافتات تدعو إلى إدراج درجات وظيفية لهم في الموازنة المقبلة.
وشهد محيط الوزارة انتشاراً أمنياً مكثفاً بالتزامن مع التظاهرة، فيما أكد الخريجون ضرورة توفير فرص عمل تتناسب مع اختصاصاتهم العلمية وحاجة القطاع النفطي إلى الكفاءات الفنية المتخصصة.
وتأتي هذه التحركات في سياق احتجاجات متواصلة لخريجي الاختصاصات النفطية في عدد من المحافظات، إذ سبق أن تظاهر خريجو الكليات والمعاهد النفطية في 19 تشرين الأول الماضي أمام البوابة الرئيسية لشركة نفط الشمال في منطقة عرفة شمالي كركوك، للمطالبة بتوفير فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم الأكاديمية.
كركوك.. تسعيرة المولدات تشعل الاحتجاجات
وشهدت محافظة كركوك موجة من الاحتجاجات الشعبية على خلفية قرار تحديد سعر الأمبير الواحد للمولدات الأهلية بـ18 ألف دينار، وسط اعتراضات واسعة من الأهالي الذين عدّوا التسعيرة مرتفعة ولا تتناسب مع أوضاعهم المعيشية.
وشملت التظاهرات أحياء الأسرى والمفقودين وواحد حزيران ومناطق سكنية أخرى وسط المدينة، حيث قطع محتجون عدداً من الطرق، مطالبين بإعادة النظر في التسعيرة وخفض أجور المولدات، في ظل استمرار أزمة الكهرباء وارتفاع الأعباء المالية على العائلات.
وقال مصطفى كامل، أحد المتظاهرين في حي الأسرى والمفقودين، إن تحديد سعر الأمبير بـ18 ألف دينار أمر مرفوض، مطالباً الجهات المعنية بإعادة النظر في القرار والاستجابة لمطالب السكان.
بدوره، أكد متظاهر آخر، يدعى أحمد شهاب، أن التسعيرة الحالية مرتفعة ولا تتناسب مع الإمكانات المادية للمواطنين، داعياً إلى مراعاة الظروف المعيشية للأهالي.
وتزامنت الاحتجاجات مع تشديد الإجراءات الأمنية، إذ حضرت قوات من مكافحة الشغب وفرضت طوقاً أمنياً حول المتظاهرين، فيما شهدت بعض المناطق قطعاً للطرق واحتكاكات بين المحتجين والقوات الأمنية.
وتصاعدت حدة الاحتجاجات في منطقة واحد حزيران، حيث استخدم محتجون زجاجات حارقة «المولوتوف» ضد عناصر الأمن الذين حاولوا تطويق التظاهرات، وسط استنفار أمني واسع وتدخل فرق الدفاع المدني لاحتواء الحرائق. كما أُحرقت إطارات وسط الشوارع في عدد من مناطق مركز المدينة.
وأثارت التسعيرة اعتراضات نيابية أيضاً، إذ وصف النائب أرشد الصالحي القرار بأنه إجحاف وظلم بحق أهالي كركوك، معتبراً أن ما تشهده المدينة من أزمات أمر غير مقبول، ولا سيما أنها تمثل عصباً اقتصادياً مهماً للعراق.
ووجّه الصالحي رسالة إلى أهالي المحافظة، أكد فيها أن أمامهم جميع الخيارات المشروعة، وفي مقدمتها تنظيم تظاهرات شعبية إذا لم يتم التراجع عن التسعيرة، فيما قال مسؤول المولدات في قائممقامية كركوك، هاوري زنكنة، إن سعر الأمبير الواحد في عموم المحافظة سيبلغ 18 ألف دينار، مشيراً إلى أن أجور التشغيل كانت تصل سابقاً إلى 20 ألف دينار. وكانت قائممقامية كركوك قد أوضحت أسباب اعتماد التسعيرة الجديدة.
وعلى خلفية اتساع رقعة الاحتجاجات وامتدادها إلى ستة أحياء سكنية، دعا رئيس مجلس محافظة كركوك، محمد الحافظ، إلى عقد جلسة طارئة لمجلس المحافظة لمناقشة ملف تسعيرة المولدات وإيجاد حلول للأزمة.
وقال مصدر حكومي إن الدعوة جاءت بعد التظاهرات التي شهدتها مناطق عدة وقطع الطرق، وما رافقها من انتشار أمني واحتكاكات، مبيناً أن الجلسة تهدف إلى بحث حلول من شأنها تخفيف الغضب الشعبي الناجم عن ارتفاع أسعار المولدات وأزمة الكهرباء.
مطالبات بإلغاء الخصخصة
ولم تقتصر احتجاجات كركوك على ملف المولدات، إذ شهدت المدينة تظاهرات شعبية أخرى طالبت بتحسين الخدمات ومعالجة الأزمات المعيشية وتوفير فرص العمل، إلى جانب الاعتراض على مشروع خصخصة الكهرباء.
ونظم مواطنون من مختلف مكونات المحافظة تظاهرة سلمية في ساحة المحافظة القديمة وسط المدينة، رافعين قائمة تضم 12 مطلباً تتعلق بالواقع الإداري والاقتصادي والخدمي.
وقال محمد نظام، أحد منسقي التظاهرة، إن استمرار سيطرة الأحزاب على ثروات المحافظة، بالتزامن مع حرمان المواطنين من أبسط الخدمات، أدى إلى تفاقم الأزمات، بدءاً من شح البنزين والنفط وصولاً إلى الكهرباء وارتفاع أسعار أمبيرات المولدات.
وأوضح أن أبرز مطالب المتظاهرين تتمثل في توفير سبعة آلاف درجة وظيفية وإلغاء مجلس محافظة كركوك، إلى جانب تحسين الخدمات ومعالجة الأزمات التي تواجه السكان، مشيراً إلى أن المشاركة جاءت من مختلف مكونات المدينة بهدف توحيد المواقف إزاء تردي الأوضاع.
وفي تظاهرة أخرى، خرج العشرات من أهالي كركوك رافعين خمسة مطالب رئيسية، تضمنت معالجة البطالة وإطلاق التعيينات وضمان توفير عقود في مؤسسات الدولة، ولا سيما للخريجين، فضلاً عن إلغاء مشروع خصخصة الكهرباء ومعالجة ملف المولدات الأهلية التي أثقلت كاهل العائلات بأعباء مالية إضافية.
وقال عثمان محمد، عضو تنسيقية التظاهر، إن المحتجين يمثلون شرائح مختلفة من أهالي كركوك، وإن مطالبهم ستُرفع رسمياً إلى الجهات المعنية بعد توحيدها، داعياً إلى الاستجابة للمطالب الشعبية ومعالجة الملفات الخدمية والاقتصادية العالقة.
كما شهدت المدينة تظاهرة أخرى رفضاً لمشروع خصخصة الكهرباء، واحتجاجاً على زيادة تسعيرة المولدات وسوء الخدمات، في تأكيد على اتساع الاعتراضات الشعبية على السياسات المتبعة في إدارة ملف الطاقة والخدمات.
وتكشف هذه التحركات المتزامنة في كركوك، إلى جانب الاحتجاجات التي شهدتها المحافظات الأخرى، عن تداخل الأزمات الخدمية والمعيشية والوظيفية، واستمرار مطالب المواطنين بإجراءات حكومية ملموسة تتجاوز الوعود، وتضع معالجة البطالة وتوفير الخدمات الأساسية وصون القدرة المعيشية في مقدمة الأولويات.